إن من أهم نتائج الحرب العالمية الأولى وما أعقبها من أحداث أن تزعزعت الثقة في كثير من المفاهيم والتي كانت لها من القداسة بحيث أن محاولة المساس بها يشكل كفرا أو خروجا عن القانون أو المألوف وذلك حسب طبيعة المفهوم أو العقيدة التي تم الخروج عنها أو عليها ، وأنا ادعي أن احد اشهر المقولات التي كنت اعتقد بسوددها وقوتها حتى أني لم يخامرني يوما ولو بعض شك في صحتها وهذه المقولة والتي اعتقد أن قارئي قد خمنها هي يقال مثلا أن هذا الشئ هو سيف ذو حدين أو سلاح ذو حدين ،
تمارسها وسائل الإعلام الغربية ليست مقتصرة فقط على شعوب العالم الثالث . وإنما أيضا على شعوب العالم الغربي بشقيه الأوروبي والأمريكي ، ألان نحن مطالبون كعالم عربي إسلامي أو شرق أوسطي أن نكون على قدر كبير وعظيم من الوعي بما تحاول أن تطعمه لنا وسائل الإعلام صباح مساء وكأننا خراف بني إسرائيل الضالة ، القناعة ألان شبه يقينية بان الإعلام العربي الرسمي أو الذي يدور في فلكه غير مقنع على الإطلاق ، وذلك فيما يتعلق بقضايا المنطقة العربية وذلك ناتج عن حالة الإحباط التي سببها الإعلام العربي بتناوله السطحي للقضايا الحساسة التي شغلت المنطقة على مر عقود ، وكانت المنطقة العربية هي اللاعب آو بمعنى أدق الملعوب به أو فيه ، فما يعيب الأعلام العربي السطحية الداعمة للمواقف الرسمية واستبعاد أية وجهة نظر وطنية مخالفة لأدبيات الأنظمة الحاكمة ، وبذلك استطاع الإعلام العربي أن يخلق فضاءا هائلا بين النخب الحاكمة والاتجاهات الوطنية على اختلاف مشاربها واتجاهاتها ، نتج عن ذلك حالة إرباك ذهنية وفوضى فكرية بالنسبة للمتلقي العربي ، مما دفعه إلي الارتماء الغير حذر في أحضان وسائل الإعلام الغربية والنهل منها لما وجده من أساليب جديدة في طريقة عرض الخبر وتحليله ووقت تسويقه وعرضه بصورة مغايرة تماما لما ألفه في وسائل الإعلام العربية . فكانت النتيجة التي تسعى ورائها وسائل الإعلام الغربية ، وهي حالة الاستسلام المطلق للخبر الوارد بتلك الوسائل . وحتى وسائل الإعلام الناطقة باللغة العربية والموجهة أساسا للعالم العربي لم تفلح أيضا في تجنب المثالب التي اعترت وشابت صناعة الخبر الوارد بوسائل الأعلام الغربية . فنرى أن تلك الوسائل عند تناولها لقضية تخص شئون المنطقة تنحاز بشكل فاضح وعلني إما إلى الأنظمة أو النخب الفكرية التي تدور في فلكها أو أنها تتبنى وجهات نظر الحكومات الغربية أو بمعنى أدق الشركات الكبرى المتجاوزة للحدود الوطنية .
ويعني ذلك أن عملك لشئ ما قد يكون لصالحك أو عكس ذلك ، ونزع الثقة عن هذا المفهوم وغيره من المفاهيم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية كان سببه عندي هو الحشد الهائل لوسائل الإعلام الغربية لقضية ما وعادة ما تكون هذه القضية نحن احد أبطالها أو ضحاياها ودون استعراض لقوة العضلات اللغوية أخوض ومباشرة في الموضوع ، فمثلا عندما خططت الإدارة الأمريكية لغزو أفغانستان نظرا للأهمية الإستراتجية المعروفة لها باعتبارها مقابلة للصين والهند وباكستان هذا من ناحية ومن ناحية أخرى قربها من إيران ومنابع البترول المتاخمة لهذه المنطقة فكان لابد من ظهور البطل التراجيدي الذي سيتحمل مسؤولية منح تأشيرة الدخول للولايات المتحدة الأمريكية فكان السيد أسامه بن لأدن سواء أكان هو المدبر لعملية الحادي عشر من سبتمبر أم لا . وهنا يأخذ الإعلام الغربي الدور الأكبر في بلورة الأحداث تباعا ومن ورائه طبعا الإعلام العربي الذي عادة ما ينساق سواء عن قصد من الأنظمة التي لا تعي حتى مصالحها الإستراتجية ، أو عن غير قصد ، فتنهال التقارير عن الإرهاب وعواقبه علي الأمن الاجتماعي والسياسي والاقتصادي العالمي وتنسال البرامج الإخبارية والثقافية وحتى الدينية ، وموجات الاستنكار والغضب العالمية وعقد اللقاءت والندوات وبثها مباشرة وفي أي ساعة من الليل أو النهار ، وتجيش كل الإمكانيات التقنية والفنية . ثم يقفل العرض المسرحي الأمريكي ويختم المشهد العظيم بحفنة من الشباب يتم سجنهم بغونتانامو لا تدري الولايات المتحدة نفسها إن كانوا هم المسولين الفعليين آم لا . ويفتتح عرض مسرحي كبير اسمه صدام حسين وأسلحة الدمار الشامل العراقية حتى أن الإعلام أوصل المتلقي أو المشاهد إلى أن عبارتي أسلحة الدمار الشامل وصدام حسين بعني وجهان لعملة واحدة . ثم بدأت وسائل الإعلام تتمحور حول هذا الموضوع بشكل مخيف حتى أن سكان أمريكا الجنوبية أصبحوا يخشون خطر العراق . ثم يتضح انه لا أسلحة دمار ولاهم يحزنون ، ونفس وسائل الأعلام تتدوال الموضوع دون أدنى مسؤولية أخلاقية ،وألان وفي هذه الأيام بدأت وسائل الإعلام الغربية بعزف سيمفونية جديدة وذلك فيما يتعلق بقضية منظمة التحرير الفلسطينية وحركة حماس والإعلام العربي على عادته يلعب دور المصفق ، بالأمس القريب كان إسماعيل هنية يستقبل على أعلى المستويات لدى الحكومات العربية ويتم التفاوض معه باعتباره الممثل الشرعي للحكومة الفلسطينية المنتخبة ورئيس وزرائها ، ثم يحدث هذا التبدل المفاجئ بعدما وصلت الحالة إلي ما هي عليه الآن داخل الأراضي الفلسطينية ، تصريحات السيد محمود عباس تتناقلها وسائل الإعلام ( حركة حماس إرهابية _ ظلامية _ لا تفاوض مع الإرهابيين ) وهكذا دواليك ودليلا لما اعتقد صحته انقل عن الصحفي الأمريكي مايكل بارنتي في كتابه ديمقراطية للقلة الصادر عن المشروع القومي للترجمة العدد 464 ترجمة المعارضة السعودية حصة المنيف في الصفحة رقم 315 ( لا يتردد مالكو وسائل الإعلام في ممارسة السيطرة علي محتوى ما يذاع من أخبار . فهم كثيرا ما يقمعون أية روايات يعافونها ويبثون الآراء التي يتبنونها . ولقد ذكر تقرير لمجموعة من المحققين " إن أصحاب ومديري القنوات الإعلامية هم الذين يقررون من هم الأشخاص، وما هي الحقائق، أو أي وجه من الحقائق وما هي الأفكار التي ستصل إلي الجمهور ، ولقد رفض رؤساء وسائل الإعلام في الآونة الأخيرة عرض إعلانات، أو برامج ، أو تعليقات تدعو إلي تأمين صحي من نمط "دافع الاشتراك الفردي " Single Payer ،( النمط المعمول به في كندا) ، أو تنتقد التدخل العسكري الأمريكي في الدول الأخرى ، أو تعارض اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية "نافتا" NAFTA)، وفي ختام فصله المعنون وسائل الإعلام : موجهة للكثرة تحت إشراف القلة في الصفحة رقم 336 يقول السيد مايكل بارنتي معلقا ( لن يتخلى من يملكون الصحف وشبكات الإذاعة والتليفزيون عن سيطرتهم على استثماراتهم الخاصة وعلى أجهزة المعلومات العامة . ولا يمكن للمواطنين العاديين أن يصلوا إلى أجهزة الإعلام إلا إذا استطاعوا السيطرة على المصادر المالية التي تمكنهم من الوصول إلى وسائل الإعلام ، وهذا الإنجاز لا يمكنه أن يتحقق إلا في ظل نظام اقتصادي واجتماعي مختلف عن نظام السوق المفتوحة والشركات الكبرى الرئيسية السائدة لدينا . أما الآن فعلى الأمريكيين أن يدركوا أن ما يشاع عن أنهم ينعمون "بصحافة حرة ومستقلة " هو مجرد وهم زائف . ). فهكذا نرى أن ما تقدمه الصحافة العالمية أو الإذاعات أو التليفزيون كل ذلك ورائه فريق عمل متكامل يكاد أن يكون متخصصا وبالدرجة الأولى بصناعة الخبر الإعلامي. والصناعة هنا تقترب إلى حد كبير من التزوير والكذب و اختلاق مجموعة من الأفكار الغير صحيحة على الإطلاق ، وهذه الأفكار المراد صناعتها وخلقها تكون عادة من وجهة مصلحة الطرف الأقوى في المعادلة الإعلامية العالمية ، أي الشركات الكبرى ذات المصالح في منطقتنا الضعيفة ، ومن الإنصاف أن يقال أيضا أن التعمية التي| < السابق | التالي > |
|---|




