يعتبر مجال الترجمة من اصعب المجالات التى قد يخوضها أي مترجم وخصوصاً الترجمة للاعمال الادبية وعلى وجه التحديد الترجمة الشعرية ، لاعتماد الشعر على العديد من الجوانب والتى بدورها لا تتطابق من حيث الخصائص من لغة الى اخري ، و فى الكثير من المحاولات تتعرض الكثير من التجارب فى مجال الترجمة الشعرية الى الكثير من النقد من حيث الدقة وعدم الاتقان للغتين المنقل والمنقول اليها ومدي قرب اللفظ من اللفظ الاصلي من حيث المعنى والمدلول وروح النص بشكل كامل ، هناك بعض التجارب التى اصابت اهدافها الى حد كبير ولاقت نجاح وهذا يدل على عدم استحالة الامر وانما عن صعوبته فقط ، ما أسباب نجاح بعض التجارب دون سواها ؟ ما اهم العوامل التى تحتاجها الترجمة الشعرية ؟ هل كانت نوايا جميع المستشرقين الذين ترجموا الاعمال الشعرية العربية حسنة ؟ وانطلاقاً من هذه الاسئلة واكثر طرحنا اشكالية ترجمة الشعر على مجموعة من المثقفين بحثاً عن اجابات لها، وكان لنا لقاء مع :
الصيد ابو ديب- مثقف : الشعر يقوم علي جانبين الاحساس والمشاعر والعواطف والجانب الاخر وهو الايقاع والوزن والقافية ، حينما يترجم الشعر العربي الى لغة اخرى سيفقد كلا الجانبين ،فأحساس الشاعر لن يستطيع اى مترجم الاقتراب منه وفى حالة استطاع لن تكتمل هذه الدائرة فى كل الاحوال فلا يمكن لاى كان ان يعيش تجربة شخص اخر كما عاشها هو بكل جوانبها ، وبالنسبة الى الشعر العربي فايقاعه يختلف تماماً عن ايقاع الشعر الغربي وعلى الرغم من الن الشعر الغربي ايضاً يملك وزن و يملك قافيته التى تسم بالـ " rhyme " و " rhythm " الا انه حينما يتم نقل الشعر العربي الى اللغة الاجنبية سيفقد خاصيته الاساسية وهى ما نسميها بالبحور والتفعيلة ، والعكس ايضا فحينما نترجم الشعر الغربي الى اللغة العربية سنفقد ونحن نترجم اهم خصائص اللغة الانجليزية فهذه اللغة متميزة جدا عن اى لغة اخري واحياناً لا نملك الا ان نتحولها الى نثر ، والقاري باللغة الاصلية للنص يشعر بها اكثر من القارى للشعر الغربي مترجم الى العربية فهو سيعيش مع الكلمات فقط واجتهاد المترجم بقدر الامكان على احتواء تجربة الشاعر علماً بانه سيفقد خاصية الوزن و القافية ، و الجميع الذين خاضوا تجربة ترجمة الشعر اجمعوا على ان الشعر يفقد مهما وصل من دقة روح النص الاصلي وخصائصه الاساسية ، بعض التجارب حين اقراها ابحث عن الشعر فيها ولا اجده واذكر ان احد المترجمين ترجم قصيدة لشاعر غربي معروف بقافية واوزان عربية واي نقلها شعراً ولو هذا الشاعر الغربي صاحب النص حياً وسمعها سيتنصل منها بكل تأكيد لانه لم ينظمها على هذا الشكل ابداً ربما نقل خيالى ولكن لا شى اكثر من ذلك .
محمد بن طاهر استاذ بكلية الاداب جامعة السابع من ابريل – مترجم للشعر : الشعر عبارة عن تجسيد للمشاعر فى كلمات وتراكيب وهى ليست تراكيب عادية يقف خلفها معانى وفلسفة عميقة جداً وبالتالي الكثير من المعاني تكون من خاصة بمنشئ الشعر فاي من يريد ان يترجم هذا الشعر ونقله الى لغة اخري قديكون يحمل افكار وفلسفة الا انه من الصعب جدا وليس من المستحيل ان ينقل هذه الخصوصية ، اذا تمكن المترجم من اللغتين المنقول منها والمنقول اليها ولديه نفس الموهبة اي يكون شاعر او اديب يمكن ان يقارب المعانى ليس بصورة كاملة ولكن بشر قريب جداً ، انا عشت هذه التجربة ولانى اتقن كلا اللغتين العربية والانجليزية فادرك بعض المعانى البعيدة فتأتى صورة المنقول قريبة جدا الى النص الاصلي ، هناك تجربات كثيرة جداً استطاعت ان يصيبوا اهدافها منها ترجمة قصائد " وليم بليك " الذي وعلى طول تجربته الشعرية لم يترجم له احد قصائده شعراً اى بالشعر الموزون مثل قصيدة " النمر "، فنحن عندما نترجم نحن لا ننقل كلمات من لغة الى لغة بل ننقل ثقافة وعلم وتجربة وحياة وانا ارى ان الشعر من بين اهم وسائل الاتصالات بين الشعوب وفهم الاخر ، معضم الترجمات التى تمت لم تتم فى اطار تنظيمى لغوي فالنظريات اللغوية كثيرة جداً عربية او غير عربية ولهذا يجب ان نستفيد منها فى ايطار الترجمة بمعنى ان يكون للترجمة اطار لغوي ، فالترجمة هي فرع من فروع علم اللغة التطبيقى ونموذج له فعندما نترجم فى اطار تنظيمى له اسس ومناهج وقواعد بالامكان ان ناتى الى ترجمة قريبة جدا من المطلوب فلا يمكن ان نستمر فى عملية الترجمة بهذا الشكل وكل منا يترجم بمزاجية ، وانا لا اعتقد ان اللغة العربية صعبة على احد بدليل انه تم ترجمة المعلقات من قبل المستشرقين بمنتهى الروعة فلو تم اجادة اللغتين لن يكون هناك عراقيل ، ولا يمكن ان نفكر بالطبع ان كل المستشرقين كانت نواياهم حسنة فمنهم من تسبب فى مشاكل كبيرة ومنهم من تسبب فى تشويه صورة العربي او صورة العالم الاسلامي ومنهم على حد علمي من لا يتقن اللغة العربية من الاساس فكيف ينقل منها الشعر .
أحمد ابراهيم الفقيه- كاتب : الشعر هو من اصعب الاشكال الادبية فى الترجمة لانه تعامل حساس ودقيق بالنسبة الى اللغة اكثر من اى الاشكال الاخرى فالقصة والرواية مثلا بهم احداث وشخصيات وحوار يمكن لكل هذه العناصر ان تترجم بشكل جيد ، اما فى الشعر يمكن ان تكون الكلمات فى اللغتيين بنفس الجمليات والابعاد والايحاءات والايقاعات الشعر يحتاج الى مهارة فى الترجمة ولمترجم لديه روح شعرية ولهذا تجدين الشعراء هم نفسهم مترجمين ومثال على ذلك ترجمة رباعية الخيام للشاعر ادوارد فيتزجرال الى الانجليزية ونجحت نجاح كبير لانه شاعر ولم يترجمها حرفياً ، حدث مع نزار قباني مثلاً العكس حيث ترجمت له اشعار كثيرة لم تكن على المستوى وهو نفسه كان يقول انا متهم ان شعري فيه سذاجة حين يترجم له قصيدة مثلا اسمها "صباحك سكر" وعندما تترجم تتحول الى " your morning is sugar " جملة سذاجة و من دون معني ولن يفهمها الاخر ، الشعر يحتاج الى معاملة خاصة لا تعنى انه نكتفى بمجرد معرفتنا للغة او مهارتنا بها بل يجب على المترجم ان يكون شاعراً لكي يترجم الشعر ، وبرغم ذلك انا ارى ان شعر لوركا المترجم لن يكون شعر لوركا وشعر نزار قبانى بالانجليزية لن يكون شعر نزار قبانى ولن يحتفى بهم بنفس الطريقة كما يحتفى بهم فى الدول الاخري التى لا تتقاسم معهم اللغة فى جمالها او مفرداتها ، شكسبير استطاع ان يخترق الثقافات فقط لان شعره شعرى مسرحي فيه احداث وشخصيات وحكايات وحوار يمكن العمل من خلالها ،و بالنسبة للمستشرقين انا ارى انه لا يجب ان ننظر لهم بهذه النظرة التأمرية فهم من قدموا نصوصنا الى الغرب وشكرا لكل من ترجم لنصوصنا منهم من اساء لنا وهذا يوضع فى ميزان سيئاته هو ومن ترجم بصدق نقول له شكراً.
محمد الدنقلي – شاعر : انا لا اري اي مشكلة فى ترجمة الشعر من والى اللغة العربية وهذا شى قديم وموجود من قديم الازل يبقى فقط يحتاج الى مترجم جيد ومتمكن يستطيع ان يترجم بشكل نزيه النصوص الشعرية بروحها ومعانيها ، انا مع ترجمة الشعر بكل تأكيد .
محمد سليمان الزيات – ناقد : تعتبر الترجمة عموماً مسأله لغوية اكثر منها مسأله تقنية فليس هناك لفظ متطابق مع لفظ اخر فى لغة اخري بالضرورة وانما هناك الفاظ تحدد معانيها ما امتلكه من استعمالاته اى ان معناه معبأ بتلك الاستعمالات، وهذا معناه ان من يقوم باستعمال اللفظ هو من يعبأه بالمعني ، فاذا ما تصورنا جماعة من الناس تستعمل لغتها عند مستوى معين من المعرفة فسوف يكون الالفاظ محدودة بهذا المستوى من المعرفة، بينما يمون اناس اخرون مستوى المعرفة عندهم مرتفع فسوف تعبأ كلماتهم بمفاهيم جديدة باستمرار تجعل من اللفظ حاملاً لمعرفتهم وهنا يقع الفرق بين معنى اللفظ التاريخية عبر استعماله زمنياً مختلفة من لغة الى اخري ، وهذه الاشكالية الاولى التي تواجه المترجم الذي يحاول ان يثبت مدلول اللفظ كما عرفه حتى يتمكن من عملية النقل مستعيناً بالمعني الذي يعتقد ان المؤلف قد ذهب اليه فى نصه والاشكالية الثانية يمكن ان نراها عندما تكون اللغة المطلوب نقلها الى لغة اخرى قد اعتمد مؤلفها تركيباً مجازياً اى انها قد اجري عليها عملية تحويل .
ملاحظة : سيتم بأذن الله نشر رد الاستاذ محمد الزيات كاملاً فى مقال الايام القادمة .




