Saturday
Jul 31st

أدب السجون في ليبيا

البريد الالكتروني طباعة PDF
أدب السجون في ليبياتحول جدري نلاحظه ونشعر به في  كتابات الكتاب الذين تعرضوا للاعتقال في فترة ما من حياتهم ..والمرور بهذه التجربة القاسية التي تعيد تشكيل الكثير من المبادئ والمفاهيم وتساعد في تكوين رصيد روحاني وإنساني يمدهم بالإبداع لسنين طوال ..ونشعر بذلك من خلال مقارنة لأعمالهم السابقة لتجربة السجن والاعتقال السياسي وما بعد العودة والخروج من خلف الأسوار  إلا أننا لا نستطيع أن ننكر إن الحال لم يكن واحد عند الجميع فمنهم من فقد الشعور بالتوازن ..ولم يستطع حتى اليوم التأقلم بشكل جيد مع المحيط من جديد..ومن هنا يأتي السؤال المحير ..هل تجربة السجن كونت رصيد هائل من التجارب الإنسانية غذت عقول هؤلاء الكتاب وصنعت منهم أقلام مبدعة ؟؟!! أم أنها كانت مرحلة أعاقت مسيرتهم الأدبية والدراسية لان بعضهم كان ما يزال يدرس بالجامعة؟؟!!  وبالتأكيد لا نستطيع أن ننسى صعوبة الكتابة في مثل هذه الأجواء القمعية والتي تحارب كل أشكال الثقافة التي ترسم فكر فلم يكن أمام هؤلاء الأدباء السجناء سوى اختزال الأفكار والإحداث وهذا أمر أخر في غاية الصعوبة ولن يستطيع أبدا استرجاعها كاملة بعد الخروج..فلم نستطع أن نعرف حقاً إن كان لهذه التجربة القاسية بلا شك نتيجة سلبية أكثر من ايجابية على العملية الإبداعية أم العكس؟؟..هل كانوا وما يزالوا مظلومين فبعد الاعتقال تعرضوا لعملية نفى من رابطة الأدباء والكتاب بشكل مهين و لنفس الأسباب التي سبق ونفيت عنهم..؟ فبرغم انقطاعهم عن العالم الخارجي لفترة زمنية طويلة إلا أننا لا يمكن أن ندعي أن أعمالهم ناقصة أو مبتورة الإبداع بل على العكس ربما يكونوا الأكثر نشاطاً على الساحة الثقافية لما تحمله من مصداقية  و روح متحررة و فكر ذو رسالة للتطوير والإصلاح ..كيف تمكنوا من ذلك ؟..كل هذه الأسئلة وأكثر سنسعى للكشف عنها..


يقول / الكاتب منصور أبو شناف :
منصور ابوشنافبالطبع هناك أدب سجون في ليبيا سواء نشر أم لم ينشر ولكنه موجود ..هناك عدد كبير من الكتاب الذين سجنوا وعدد أخر كتب عن هذه التجربة من دون المرور بها وأدب السجون هو ذلك الأدب الذي كتب حول السجن وليس بداخل السجن فقط ..وهذا المعروف عنه في العالم واعتقد أن ليبيا لديها هذا النوع من الأدب ..فخلال الستينيات والسبعينات وأيضاً الثمانينيات هناك بالتأكيد تجربة  سجنيه طويلة وهذه التجربة وللأسف منها ما لم ينشر ولم يتم دراستها ليصل صدها  الحقيقي الى الناس.
 
وبالتأكيد لهذه التجربة جانبين على الكاتب الذي مر بها أو عايشها ..جانب ايجابي وجانب أخر سلبي..الجانب الايجابي هو الاطلاع والقراءة ..فانا كنت واحد من هولاء الذين عاشوا هذه التجربة..يتم في السجن عملية قراءة  مطولة ومتواصلة للأدب العالمي والعربي ..وهناك أيضاً التغير الذي يحدث على الصعيد الإنساني للفرد باعتبار أن الحياة هناك فى السجن عبارة عن يوم طويل فتصبح ترى العالم بشكل مكروسكوبي اى بدقة متناهية وهذا الشي لعب دور فى ان ينمو خيالك للتعويض عن الواقع الذي حرمت منه فبالتالي يكتسب الكاتب السجين مخيلة اقوى من ذلك الذي يعيش الحياة الخارجية بشكل طبيعي واما الجانب السلبي هو ان جيل السبعينيات وللاسف لم تصل تجربته و اوقف عن النشر لفترة قد تزيد عن عشرين سنة وعند خروجه وجد الواقع متغير ووسائل النشر متغيرة وهذا شكل نوع من الصدمة لدي البعض الا انني اعتقد انهم وبسرعة مدهشة استطاعوا ان يتجاوزا هذه الامور ويصبحون فعلين فى صنع المشهد الثقافى الحالى فى ليبيا والملاحظ ان ليس فى ليبيا فقط بل فى الوطن العربي ايضاً اخطر الاقلام التى اثرت فى الشعوب والوجدان العربي هى اقلام المساجين ومنهم نذكر "احمد فؤاد نجم" و " نجيب السور" والعشرات غيرهم.
 
اما الكاتب مفتاح قناو فقال:
مفتاح قناوانا اعتقد ان الادب ادب ولا اميل الى تقسيم الادب الى مثل هذه المسميات فعندما نقول ادب السجون يعنى انه هناك ادب اخر غيره ادب سوق السمك وسوق الخضار وادب رجالى وادب نسائى او شبابي.. الادب يبقى ادب من دون ان يخضع الى هذه المسميات ربما الادب الذي يطلقون عليه ادب السجون هو ذلك الادب الذي كتب بداخل السجن او كتب بعد المرور بحالة سجنية والذي عاشها بالتاكيد يعبر عنها افضل من الذي لم يعشها فلا يمكن لاي شخص ان يعبر عن السجن لان تعبيره سيضل دائماَ ناقص و من دون حرارة ومهما حاول ان يتقمص الدور او يقرأ نفسية الاخر الذي عاش بداخل السجن لن يستطيع ان يلتقط الروح.. ولكن من عاش الحدث يستطيع ان يعبر عنه بسهولة  ومن اكثر من زاوية لانه عاش فترة طويلة بذلك المكان الضيق جداً فهناك الكثير من الاشياء التى مر بها واحياناً اخري يكون السجن هو سجن النفس فبعض البشر هم مساجين بداحل انفسهم فى سجن روحي ولهذا انا لا اميل الى تقسيم الادب والا اصبح لكل وضع او قطاع مهني ادب بمفرده .. انا مع لو ان لكاتب ما تجربة سجنية ان يكتب عنها فى مجموعة نصوص وان يجمعها فى كتاب واحد ويمنحها هذه التسمية " ادب السجون" او اخر صحفي يمر مثًلا من خلال عمله بمواقف تستحق ان تكتب فيكتبها فى كتاب بعنوان " ادب الصحافة" فانا اذطر انه فى فترة ما كان هناك ما يسمي بادب القضاء جمعوا بعض القصص الغريبة التي حدثتفى مجال القضاء.
 
انا اري ان الكتاب الذين عاشوا تجربة السجن منهم من اختلفت نوعية كتابتهم ومنهم من لم يختلف بالنسبة الي حرفية الكتابة وجودة العمل ليس له علاقة بتجربة السجن له علاقة بشئ اخر مثل المواصلة فى عملية القراءة ومتابعة الجديد انه يكتب بطريقة جديدة او انه يتقوقع  نفس المكان فهناك كتاب ظلوا فى مكانهم ومازالوا يكتبون مثل ما كانوا يكتبون منذ ثلاثين سنة ماضية وهناك من طور من تجربته واصبح يكتب بشكل جديد ومتطور وانا استطيع ان اقول عن تجربة هولاء الكتاب الليبيون انه هناك مجموعة مميزة من النصوص التي لو كتبت من دون اسماء اصحابها بمجرد قراتها سنستطيع بسهولة معرفة لمن هي وعلى الجهة الاحرى هناك العديد من الاعمال المتشابهة ومن دون اى شى مميز فكل تجربة يمر بها الانسان تحدث بداخله تراكم هائل من الاحداث فى عقله الباطن وتخرج منه لعى شكل ابداع وخصوصا فى مجال القصة واقتباس اللحظة لانه يمر بالحظات صعبة وقاسية والحياة طويلة هناك بشكل عجيب لا يمكن تصوره فان استطاع ان يقتبس كل لحظة صار لديه كم هائل من النصوص والذين اعرفهم انا شخصياً من الادباء الذين مروا بالتجربة قدموا ابداع جيد فى الفترة الاخيرة وهذا فى راى ليس ناتج عن تجربة السجن فقط وانما ايضاً الى نضوجهم الشخصي الذي لعب دور مهم لانهم استمروا فى القراءة ومحاولة استيعاب التغيرات التى حدثت من حولهم فالعقل البشرى مثل الكمبيوتر تماماً الذي يحتوي على وحدة ادخال ووحدة معالجة ووحدة اخراج وعقل الانسان يحتوى على مثل هذه الوحدات فوحدة الادخال هى القراءة لانه لا يمكن ان ينتج من دون قراءة وليس اى قراءة ..قراءة النهم قراءة إلتهام الاف الصفحات ثم يدخل كل ما قرائه الى وحدة المعالجة بداخل نفسه وبعد فترة يبدأ فى امتاج النصوص التى تكونت بكلماته هو ومن هنا يمكن القول انه ليس هناك خروج من دون دخول فانت لا تخرج من الغرفة من دون ان تدخلها من الاساس فكيف يمكن ان نخرج من عقولنا ابداع من دون ان ندخل ابداع فنضج التجربة عند هولاء الادباء من خلال استمرارهم فى القرءة بعد المحنة زادت من جودة انتاجهم وانا ارى ان الذي كتب عن السجن هو مر بتجربة السحن كتب عنها بشكل افضل من الذي لم يعشها وهذا ينطبق على اى تجربة وليس على السجن فقط فمن يكتب عن الصحراء وهو لم يري الصحراء يوماً ان يستطيع ان يعبر عنها حتى الكاتب المتدى الذي يغيش فى الصحراء سيكتب افضل منه لانه ببساطة راى اشياء لم يراها الاخر فالتعامل المباشر مع الاشياء يعطى خبرة اكبر من مجرد القراءة عنهنا فمن يقراء مثلا الى ابراهيم الكونى لا يستطيع ان يقول انه اصبح خبير صحراوى بالتاكيد لا فاى انسن عاش تجربة سيعبر عنها افضل من الذي لم يملر بها.
 
اما الكاتب / السنوسى حبيب  اضاف :
السنوسي حبيببما تكون ليبيا من اغنى الاماكن فى الوطن العربى التى لديها ادب انجز فى السجن باعتبار ان عدد كبير من الشعراء و القاصين الليبيين مروا بتجربة السجن وهذا متوفر فى كم من الادب الليبيى الدى انتج فى السجن وايضاً يتبع هذه الفئة ما انتج لادباء مروا بتجربة السجن حتى بعد خروجهم من السجن تظل تنعكس فى مجمل تجربة المبدع ولدينا الان شعراء ليبيين ايضاً فى ليبيا ومروا بتجربة السجن وللاسف الشديد كانت التجربة طويلة المدى.. ليست تجربة عابرة كالكثير من التجارب  السجنية العربية  فالكثير من التجارب لم  تدم اكثر من شهور او سنة او سنة ونصف اما فى ليبيا هناك من بقى  فى السجن عشرسنوات وهناك خمس عشر سنة وهناك اثنى عشر سنة مثل حالتى و  فى هذه الفترة السجنية لايستطيع من يشتغل بالادب والفن ان يظل مقيداً بل لابد من ان يلعب لعبة الحلم ومقاومة السجن من خلال انتاج الادب حتى وان لم تتوفر الظروف الملائمة لهذا الانتاج او الاحتفاظ به او اخراجه من حيز المكان المغلق الى الفضاء الراحل.
 
ليبيا لديها شعراء وقاصين وكتاب مهمين ومساهمين الان بفعالية فى حركة الثقافة الليبيية من الذين مروا بتجربو السجن و ادب السجون هو بالمعنى الادق هو الادب الذى كتب من خلال تجربة السجن و ليس البحث الذى كتب عن السجون هذه الصفة تطلق عن الادب الذى انتج وهناك مؤثر سجنى داخل فى هذا بمعنى ان المبدع قد مر بتجربة السجن سواء ان انتج داخل هذه التجربة فى الفترة الزمانية و المكانية بعد الخروج من الحالة   السجنية المباشرة  مثل نموذج واضح جداً " القاص عمر الككلى  الذي انتج مجموعة قصصية كاملة اسمها " سجنيات" وهذه المجموعة نزلت وطبعت وانا عندى مجموعة قصائد كتبت بداخل السجن ثم اصبحت انعكاس للحالة السجنية من بينهاعدة نصوص نبعت من المكان بحد ذاته ..من المكان نفسه مثل نص " ذاكرة المكان ".
 
كنا معتقلين فى السجن المركزى وكنا نطلق عليه " الحصار الاسود" .. كتبت " ذاكرة المكان " المكان التى تضمنت " مدينة_ اقسمى يا طرابلس_ السجن_ ورمانتيكية سجنية " و اذكر مقطع فى قصيدة السجن يقول " ربما صار هذا المكان مسرحاً او حديقة " كتبت فى سنة 1982 وبعد العديد من السنوات فعلاً تم ازالة السجن فى باب بن غشير واقيمت حديقة فى مكانه فكانت القصيدة مجرد حلم تحول مع الزمن الى واقع .
 
التجربة السجنية ليست مجال الى التباهى او التفاخر انها جزء من تجربة الحياة ومراحل الحياة فان كانت هناك شئ اجابى فى هذه التجربة ربما اننا تعلمنا الصبر وقوة الاحتمال والقدرة على التعامل مع الاوضاع الصعبة وان كل المشاكل تحتاج الى القليل من الوقت والقدرة على التكيف اما بنسبة الى العملية الابداعية نلاحظ بالتاكيد اختلاف فى الاسلوب لدى الكتاب الذين مروا بالتجربة قبل وبعد دخول السجن ولا ننسى عامل الزمن الذي بالتاكيد سيفعل فعله بمعنى ان المبدع الجيد والجاد سوف يستفيد من عامل الزمن .. والمبتدئ ليس كالمتمرس وفى هذا الاطار تأتى عملية الاستفادة من الزمن السجنى فى تنمية ادة الكتابة من جانب ومن جانب اخر فى استثمار الوقت المتاح بالكيفية المتاحة اى ان الذي يخضع الى القهر السجنى يجب ان لا يستسلم الى الحزن واليأس  والا سينتهى نهاية مؤلمة لكن ان كان متوفر لديه الجدية والطموح فى تقديم شغل ابداعى فسقاوم السجن بمعنى انه سيحول مسالة الفن او الابداع الى سلاح يقاوم به السجن واغلب الكتاب الليبين الذين مروا بالتجربة لديهم الوعى الكافى لمواجهة الحالة السجنية لتطوير الاداة بمعنى اننا عندما دخلنا السجن كنا مجموعة شباب اتح السجن لنا فرصة التأمل ومراجعة افكارنا والاحلام وايضاً توفر لنا الزمن الكافى للقراءة .. واحياناً الكتابة وطبعاً فى الحالة السجنية تندر المجلة ويندر الكتاب.. ولكن من وقت الى اخر كان يسطيع احدنا تهريب كتاب او مجلة الى داخل السجن .. حتى الوقت الذي ليس لديك فيه ما تقراه يمكن ان تبدده فى الحوار وتبادل الافكار مع الزملاء وتوظيفها فى صالح انتاجه الادبى او الفنى .
 
كانت الكتابة اكثر امكانية من القراءة  بعتبار ان الكتابة قلم  و رقة لا اكثر وطبعا من بين وسائل السجين فى قهر الحالة السجنية التى هى حالة التكيف مع المكان وامكانية المكان مثلا لا تتوفر الورق فى السجن فكنا نصنع الورق من علبة السجائر .. و من بين اعلب التى كانت مهمة بالنسبة الينا علبة " اطلس" الليبية التى كانت تقدم نوعين من الورق .. ورق الغلاف الخارجى ويستعمل من وجه واحد و الورق الداخلى يتم ازالة السلفان منه ويصبح ورقة بيضاء نظيفة .
 
هناك نصوص لم استطع الاحتفاظ بها ونسبة اخرى كبيرة تم الاحتفاظ بها والعديد منها تتعامل مع الحالة السجنية مثل " رومانتكيات سجنية " ونص " المدينة " الذي كتب بداخل السجن وهو ايضاص يتعامل مع الحالة السجنية و نص " طرابلس " والجميل فيه اننى كنت خارجاً من السجن ذاهباً الى عيادة بصحبة الحراس .. فوجدت امامى ثلاثة فتيات جميلات خلقوا حالة شعورية بداخلى فكتبت النص الذي يقول " مهلا طرابلس الجميلة لا تفرى .. من الاصابع لى على طرف الجديلة موعداً " فكان هذا النص مثل انتقالة من الحالة السجنية الى قلب المدينة.
 
واعرض هنا حوار خاص اجريته مع القاص " عمر الككلى" الذي تعرض ايضاً لتجربة السجن والذي يعتبر من اهم الكتاب على الساحة الادبية الان :
 
عمر الككلي- اولاً هل تعتقد أنه هناك ما يسمى" أدب سجون" في ليبيا؟.
* ما دام قد سجن أدباء و كتاب و مثقفون ليبيون، لكونهم أدباء و كتابا و مثقفين، في ليبيا، فمن المتوقع أن ينشأ عن ذلك" أدب سجون". كما لا ينبغي أن ننسى أن البعض تكون أدبيا و ثقافيا في السجن. بقي القول: هل يشكل أدب السجون الليبي ظاهرة واضحة أم لا. يبدو لي أنه مازال، حتى الآن، لا يشكل ظاهرة واضحة. لكنني أعتقد أن مسيرته قد بدأت و أنه باتجاه أن يشكل ظاهرة متميزة في المستقبل.
 
- هل " أدب السجون" هو ذلك الأدب الذي كتب داخل السجن، أم ذلك الذي كتب عن السجن؟.
* لست مؤرخا أدبيا، و لكنني أعتقد أن المصطلح حديث جدا و أنه ظهر في ما يسمى بالعالم الثالث، حيث أصبح القمع الغاشم و مصادرة الحريات شأنا يوميا، أو يكاد، في عهود الأنظمة المحلية التي نشأت بعد الاستعمار( من المفارقات المأساوية أن أكثرها تغولا في هذا المجال هو ما عرف بالأنظمة الوطنية المعادية للاستعمار). لذا فالمفهوم لم يتبلور بعد. و أنا أرى أن أدب السجون يمكن أن يندرج تحته نوعان من الكتابة الأدبية:
 
الأدب الذي كتبه سجناء داخل السجن، حتى لو لم يكن السجن موضوعه. و هنا يكون الاعتبار لبيئة الكتابة و ظروفها.
الأدب الذي كتب خارج السجن و يتخذ من السجن موضوعا له، حتى و لو كتبه أشخاص لم يمروا بتجربة السجن. و هنا يكون الاعتبار للموضوع.
 
- كيف تصف عملية الكتابة داخل السجن؟.
* أنا أعتبر أن عملية الكتابة داخل السجن هي شكل راق و فعال من أشكال مقاومة ما تستهدفه حالة السجن من تخريب لوعي السجين و تدمير لنفسيته. إنها تحصين، بالمعنيين الصحي و العسكري، لذات الكاتب و إسناد للمحيطين به من خلال محاولة فك العزلة عنهم بإمدادهم بأدب راق( إذا كانت الكتابة راقية طبعا). و باختصار و موضوعية: أرى فيها شكلا من أشكال انتصار الإرادة الإنسانية المهجوسة بالحرية( و الحديث طبعا عن الكتابة غير الخنوعية المتماهية مع القمع.)
 
- هل ضاعت منك بعض النصوص التي كتبتها داخل السجن؟.
* لا لم تضع. و لكنها ضُيِّعت!. في حوالي السنة و النصف التي مكثناها في سجن الشرطة العادية كتبت خمس قصص، تمكنت من إخراجها مع عائلتي أثناء الزيارات، و لحسن الحظ و جدتهم، بعد أن خرجت بعد إخراجها بحوالي ثماني سنوات، قد احتفظوا بها. هي القصص الخمس الأولى من مجموعتي" صناعة محلية". فيما بعد نقلنا إلى سجن الشرطة العسكرية، و هو سجن صعب و قاس، و الرقابة فيه مشددة، فلم يعد ممكنا لي إخراج كتاباتي.( ثمة أشخاص يمتلكون جرأة لا أمتلكها تمكنوا من إخراج نصوصهم في مثل هذه الظروف.)
 
كتبت في هذا السجن حوالي تسع قصص، أعتقد أنا شخصيا أن في أربع منها فتوحات فنية من نوع ما. و كنت بعد كتابة كل قصة منها أعرضها على أصدقائي و الراغبين في قراءتها، و بعد عدة أيام أسارع بإطعامها للنار أو تمزيقها نتفا صغيرة.
الأمر أسهل بالنسبة إلى أصدقائنا الشعراء، فمعظمهم قادرون على حفظ قصائدهم، الأمر غير الممكن بالنسبة للقصص. كما أنه من غير الممكن، بالنسبة لي على الأقل، إعادة كتابة قصة فقد أصلها.
 
- هل ترى أن تجربة السجن تترك عند الأديب الذي يمر بها مخزونا هائلا من الأحاسيس و التجارب الإنسانية التي تجعله يبدع أكثر؟.
* ربما. و لكن الفضل في ذلك لا يعود إلى حالة السجن و إنما إلى روح المقاومة التي تحدثنا عنها و التي تتلبس الكتاب السجناء، أو بعضهم على الأقل. و هذا ينطبق على كتابة السجناء خارج السجن أيضا. إنها نوع من إعادة طرح القضايا المعلقة مع حالة السجن السابقة و انتهاك الحقوق و مصادرتها( مثلما تسوي دولتان كانتا متحاربتين بعض المسائل العالقة بعد انتهاء الحرب بينهما بعقود) و رسالة إلى المسؤولين عن إيداع المرء السجن بأن ما كانوا يستهدفونه بالسجن من تدمير العقل و الوجدان قد باء بفشل ذريع.
 
- هل يمكن القول أن تجربة السجن مثلت عاملا إيجابيا في حياتك، أم عاملا سلبيا، أم الاثنين معا؟.
* لقد كانت سلبا كلها، ما في ذلك ريب. السجن سلب كله. لقد تمكنت، بفضل صلابة إرادتي و استدامة مقاومتي، من إنقاذ كثير من الأشياء من أتون السجن، بل و تحصلت منه على بعض الغنائم، و طورت بعض قدراتي. لكن ذلك كان رغما عن السجن و ليس بسببه. ذلك يعود الفضل فيه لي و ليس للسجن. السم في حد ذاته قاتل و ليس دواء. الكائنات التي تحوزه تستخدمه لقتل أعدائها و ليس لمداواتهم. لكن الإنسان يستطيع معالجة السم و تحويله إلى دواء. لقد لدغني الذين سجنوني عن طريق السجن( الذي هو أحد أنيابهم)، لكنني تمكنت من تحويل محتوى لدغتهم إلى دواء. إلا أنه من المؤكد أنني كنت سأكون أفضل، و على جميع المستويات، لو لم أسجن( لو لم ألدغ.)
 
- هل تجد أي تغير ملحوظ في كتابات الأدباء الذين مروا بتجربة السجن، بالنسبة إلى كتاباتهم قبل مرورهم بهذه التجربة؟.
* هناك تطور و لا شك. و لكن هذا التطور، أعيد و أكرر، حدث بالرغم من حالة السجن و ليس بفضلها. حدث بفضل الديناميكية الماثلة فيهم. ثم ينبغي أن تعلمي أن هناك كتابا مهمين، قصاصين و شعراء، أخرجتهم تجربة السجن من ميدان القصة و الشعر بشكل نهائي.
 
- هل استطاعوا، بعد الخروج، التأقلم مع الواقع الجديد و المتغيرات التي طرأت على العالم حينما كانوا بداخل السجن؟.
* رغم محدودية الوسائل المتاحة داخل السجن، إلا أنه كان هناك جهد مكثف في متابعة ما يجري محليا و إقليميا و عالميا. و كان هناك تفاعل حار مع القضايا الساخنة، و بالذات محليا و قوميا. و قد أسهم هذا في الحفاظ على علاقة قوية، إلى حد ما، مع الخارج كانت تسهم في حفظ التوازن النفسي للسجناء. و هذا سهل، فيما بعد، عملية التأقلم مع معطيات الواقع الجديد بعد الخروج من السجن. و لكن الأمور لم تكن هينة في جميع الحالات.
 
 
 
 

إضافة تعليق


رمز الحماية
تحديث

متابعات ضوئية ..


معرض الفنان رضوان أبوشويشة 2010

قراءات ..

 

السيدة من تل أبيب لـ ربعي المدهون اليسار الاسرائيلي، أزمة الهويات، وثلاث شخصيات لوجع واحد

رواية "السيّدة م...

 

أميركا لـ ربيع جابر.. عندما تدخل الرواية حيّز التجريب،

يستمرُ ربيع جابر...

 

قراءة موازية لرواية عزازيل

الصراع العقائدي ...

لقاءات ..

 

الروائي الافغاني خالد الحسيني .. أفضل مناقشة السياسة عبر رواياتي

ولد خالد الحسينى...

 

الروائي السعودي الشاب محمد حسن علوان .. فى ضيافة " العين الثالثة

دفعني إنبهاري ب...

 

الشمس الثقافي مع المصور أحمد زبيدة

في خطوة هي الأول...
أقسام منتديات العين الثالثة للأدب الساخر

المتصفحين الآن

لدينا 19 ضيوف متصل