(1) العلاقات اللونية وتجريد المفهوم
في أعمال القذافي الفاخري التشكيلية
إن المتتبع لأعمال القذافي الفاخري يستطيع أن يرصد بسهولة دالين أساسيين يشكلان هاجساً مهيمناً على معظم لوحاته هما: الجسد والبيت.. والجسد عند الفاخري ليس ذلك الجسد الرومانتيكي المحتفي به، كما أنه ليس جسد المفهوم الأخلاقي، ولا ذلك الجسد الذي كان معقل الفردية في المفهوم الليبرالي.
إنه ذلك الجسد الذي تحول في الآونة الأخيرة، إلى مادة من بين مواد أخرى، تنبئنا بذلك تلك العلامة التجارية التي ثبتها الفاخري في أسفل لوحاته في مرحلة من مراحل تطوره الفني، هذه المرحلة التي أشارت إلى تحول دال الجسد المعبأ الآن عنده بمفهوم يقول لنا، إن الجسد البشري لم يعد تماما للإنسان، إنما أصبح موضوعاً للتجارة والمراهنات.. إنه صورة الجثة التي لم تعد تعتبر إنساناً.. إنه يسجل هنا تغيراً في مفهوم العالم الغربي للإنسان أو صرخة تحذير بأن الجسد البشري لم يعد تماماً وجه الهوية البشرية.
ولوحات الفاخري على مدار تحولاتها مهجوسة أيضاً بالبيت، ولكنه ليس البيت الآمن المستقر، فشكَّل هذا الدال مع الجسد ثنائية متحورة من لوحة إلى أخرى بل أيضاً من مرحلة إلى أخرى.
ومنذ البداية نجد حالة تعبيرية تجردهما في وضعيات تجسد التشوه الذي أصابهما كما نشاهد ذلك في لوحاته أجساد في الأزرق عام 1998 وجسد وعلامة عام 2000 وأجساد الوقت عام 2001 وجسد وعلامة (2) عام 2001.
حيث نجد الأزرق المتسخ بالأسود بتدرجاته، يلف الجسد والبيت بدلالات يتضح فيها المفهوم الغربي المعاصر الذي أشرنا إليه، إلا أن الأزرق ربما يحيلنا –هنا أيضاً- إلى دلالة الرغبة في السفر.. هذه الرغبة وهذا السفر مشمولين بضبابية تجعلهما متداخلين مع إحساس بغربة يمكن استشعارها، مما يحيلنا إلى سفر هو سفر الالتحام بالإنسان هذا الذي تعرض جسده –هويته- للإهدار.. كما أنهدم بيته، أمانة ومركز دائرة تعاطيه مع الجوار، مع - الآخر - .
ومع تطور أعمال الفاخري والتي تداخلت تزامنياً مع أحداث أفقية لعل أهمها تلك الحروب العنيفة التي داهمت منطقتنا والعالم، متخذة منحى مفهومي غير مسبوق حيال الإنسان وجسده ومحدثة تعميقاً لحدس الفنان أزال الضبابية لتضح الرؤية الفنية صاعدة نحو البحث عن جوهر لا يقبل الاختزال، مبقياً على الجسد والبيت كدالين أساسيين يمارس عليهما التكثيف والاختزال من لوحة إلى أخرى بحثا عما هو جوهري وإمساكاً بالعلاقات وإقامة الروابط بينها.
وتدريجياً يختفي الدالين بفعل عامل الحذف المستمر، فظهرت أعماله بأجسادها المبتورة أعضاءها، والتي طالت الرأس، بينما البيت صار أطلالاً، والأزرق داهمه الأحمر.
وفي موجة تالية من الأعمال في مجموعة كاملة يغتال البنى سطح اللوحة، إنه المزج بين الأحمر والأسود بنسب محسوبة، كما في لوحاته: "هيولى" 2002، و"لا أكسجين" 2003 و"مدينة الوقت" 2003 و"لوحة تركيب" 2003 وكذلك "أمكنة متربه" 2003 أيضاً.
وفي اعتقادي أن اللوحات البنية لم تتخلى عن الدالين الأساسيين وإنما تواريا خلف ظاهر اللون، فمكونات البني حيث الأحمر بدلالة الحياة –الدم- والأسود بدلالة الموت، وما يحمله من انفعالات ذاتية مثل الحزن والضياع ليتخلص في لوحاته التالية في مرحلته الأخيرة الآن من الأسود بدلالاته الانفعالية الذاتية، إلى صدوح الأحمر القاني، بدلالة مفهوميه مجردة ليترك الأسود يترسب على الخط الأفقي للأرض مفسحاً للأحمر فضاء اللوحة فيتعامد رأسيا عليه.
إنها رحلة هجر التشخيص إلى الإمساك بالعلاقات المجردة للأشياء، حيث الدم بلونه المهيمن كاختزال للجسد، ولكنه هنا مهدوراً.
كما يختفي الدال الثاني –البيت- ليظهر لنا ما تبقى منه، الهباء الأزرق المعجون في الأسود الممزوج بالأحمر، هذا التداخل الانفعالي المؤثر، يظهر لنا عند الخط الأفقي للأرض، وكأن كل ما كان قائما عليها قد إنهار شاملا الإنسان المرموز إليه بالأحمر –الدم- والذي نراه معجونا في خليط الركام.. ليقول لنا، بأنه لا مقر لنا في مفهوم العالم الغربي المعاصر للإنسان، فالبيت بدلالاته: المقر، المركز، الوطن، الأمان، لا وجود له في هذا المفهوم.
فاستحوذ الركام على الأزرق المتفحم بالسواد يخالطه الأحمر محوصلا بذلك دلالة اللونين الأزرق والأحمر، عبر تطور الرؤية في الدالين الرئيسين، الجسد كعلامة على الإنسان وهوية له، مهدورة، والبيت كعلامة على الاستقرار والأمان معدومة.. فنزع بذلك نحو اكتمال تجريده للدالين، ليس فقط كبحث يحاول الإمساك بالجزء الذي يدل على الكل وإنما في الجزء الذي يحمل أيضاً الدلالة على المغزى من هذا التحوصل جامعا بذلك بين الجزء ودلالته في إطار إقامة علاقة رؤيوية.
وإذا نظرنا إلى لوحات الفاخري الأخيرة، يمكننا أن نرى الأحمر كتعامد رأسي على خط الأرض الأفقي الذي يشير إليه الركام الأزرق المستقر عليه، فنقرأ ذلك كقاعدة من قواعد الوجود، وهي التعامد، فكل خط أفقي يرمز إلى سطح الأرض ليتحدد بذلك الخط الرأسي "الذي يُوجد نوعا من العلاقة بين التعامد والأفقية".
وهو بمثابة العلاقة التجريدية بين نوعين من حقائق الوجود "وهو منطق يستقيم أيضاً مع العلاقات القائمة بين الشكل والأرضية، والأمامية والخلفية، بين كل مظاهر البروز والاختفاء والضوء والظل والواضح والغامض" وفي بحث الفنانين الدائب عن جوهر الحقيقة في التشكيل الفني، كان الجسد المفرد هو الذي يشغل موضوعات الفنانين على اختلافهم".
فلا عجب أن كان الجسد مصدر قلق وانهمام واضحين في أعمال الفاخري.. إلا أن ما يجعل من الفاخري فنانا إنسانياً متخطياً التخندقات الذاتية والمحلية، هو أن هذا الانهمام بالجسد عنده، جاء متمفصلا مع تحول في المفهوم المعاصر لجسد الإنسان، فالتقطه بحساسية فنية مرهفة تدل على استفادة الفاخري المستوعبة للأساليب الفنية وما أنجزته التجربة الفنية للفنانين السابقين، والتي عمل على توظيفها لتكون مدمجة بالمفهوم وكرؤية تجعل من الألوان دوال في لغته الفنية، تحمل مدلولاتها، وتبنى دلالتها عبر إقامة العلاقات بين عناصرها.
إننا لسنا بعيدين عن التنظيرات الفنية للنقاد التشكيليين الذين جعلوا من تعريف المذهب التجريدي مطابقا لمفهوم الفن التشكيلي إجمالا، من حيث عرفوه بأنه استخلاص لجوهر الأشياء وإقامة الروابط بين علاقات عناصرها.
بينما نستطيع أيضا أن نجد مرجعية ذلك المفهوم الغربي المعاصر للإنسان في ما يحدث في قلبنا ومن حولنا، بدءاً من الجسد البشري المفكك في مخازن مستشفيات الغرب، إلى الحروب التي تقوم عليها تجارة الأعضاء البشرية –والتي تعتبر للأسف العراق أهم أسواقها- مما يجعل ثيمة الفاخري منغرسة تماما في صلب مأساتنا.. أنها ترفض تفريغ الجسد العربي والإنساني بعامة من بشريته، ترفض أن يكون منفصلا كشيء وكموضوع للتجارة، إنها ثيمة مهمومة بمأساة واقعية أسقطت عنها الثرثرة الزائدة وجردتها في علاقاتها الأساسية المعبأة بدلالات الرفض لتغيير مفهوم الإنسان وجسده.
هذا التغيير الساعي إلى إعدام البعد الرمزي للجسد، بتفريغه من بُعده الأخلاقي وسلب حضوره وسماته الإنسانية، والتعامل معه كشيء منفصل عن الإنسان وكأنه مادة ما –جثة- مبعدة عنه.
إنه مفهوم يسعى إلى فصل الدال عن المدلول: الجسد كدال على الإنسان وهويته لخلق أزمة في مفهوم الأنا والآخر عند حدها الجذري.
من هنا كانت لوحات الفاخري صرخة وتحذير ضد مجمل المفهوم الغربي المعاصر للإنسان.
(2) بلاغة اللوحة
جدران التميمي سجلات اللاوعي الجمعي
سوف نقارب أعمال الفنان سالم التميمي من زاوية قراءة تعتبر اللوحة نصا، وبالتالي قابلة للنظر بتتبع عناصر النصية فيه، حيث العلامة تعطي إمكانية للتضافر المدلولي بالعلامات الأخرى، سواء على مستوى تجاورها في اللوحة الواحدة، أو عبر التكرار من لوحة إلى أخرى راصدين بذلك الوظيفة الإلحاحية التي يعمل عليها التكرار بتأني، مفسحاً مجالا زمنيا لتأكيد حضوره الذي يوحي بديمومة ميتافيزيقية، وتحورا على مدار زمن انبثاقاتها، يؤكد تشبثها وتعالقها بجدار الذاكرة وطبقات سجلات اللاوعي الجمعي.
,وكان الفنان العراقي " شاكر حسن آل سعيد " في نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات قد اتخذ من خربشات الجدران موضوعاً للوحاته متوجاً بذلك تجربته الطويلة على الخط العربي حيث تمكن من التخلص من الزخارف التكرارية التي اعتمدها هذا الفن طويلاً وقد فتح أمام تجربته أسلوباً جديداً للتعاطي مع الحرف العربي بثقافة شعبية أدخلت تجربته إلى ميدان الفن الحديث .
وتابع الفنان " سالم التميمي " هذا الدرب عبر إصراره على تيمة الجدار كصفحة لتشكيله وعبر آلية التكرار وتناغم الإيقاع بين الملمس وفضاء الحركة قد نجح في أن يجعل من لوحاته نصا متصاعدا للرموز في حالة تحور دائم يمكن قراءته كانقسامات متتالية تتبع تحورا للعلامة المنبثقة عن هوية جماعية أو هي علامة مقروءة كهوية جماعية للوحة من زاوية أخرى.
وفي كل الحالات لعبت التقنية المستخدمة كرابط ملزم لأي قراءة، فالمواد المستخدمة في بعض لوحاته تعطي ملمسا خشنا بارزاً بحيث لا يسمح لنا بالابتعاد عن فكرة الجدار الحامل للخربشات التي تستوحي عفوية وتلقائية طفولية تجعل التيمة متقصية لرواسب لا واعية في المخيلة ولاعبة على المخزون الثقافي الصوفي كعلامات مشحونة بجين حامل لبصمات التحولات الدائمة في الحركة الدائرية للميتافيزيقا في الزمن وهي فلسفة كامنة وراء الانقسامات المتكررة للعلامات والتي نراها في انقسام المربع إلى مثلثين أو أربعة هذه الانقسامات يتولد عنها رابطة معطاه ذات دلالة يمكن أن تعطي قراءة مفتوحة للوحة/ نص التميمي وهي العلامة الناتجة عن ذلك الانقسام المتكرر - × - والتي تظل في لعبها الاستعاري كرابطة حتى بعد أن تتحور إلى حرف لا العربي.
تدخل المثلثات المنقسمة عبر تطور أعماله في لعبتها الخاصة عندما يطوعها لوضعيات تبدو فيها كمفردات تسعى إلى انفرادها.. ومستفيدا من شحنات الألوان وإيقاعات ملمس السطح تبدو كوحدات علامية تلعب إلحاحيا على تصعيد المفهوم الخاص بها كتحول رمزي من ناحية ومن ناحية أخرى محيلة إلى المعتقدات الشعبية كمرجعية لها.
ونستطيع أن نرى في حرف الواو –الذي يعمل على تأكيد حضوره بالتكرار كمطلب عطف للعناصر وأداة تداولية- كمحاولة تنافسية ما أن تكبر متباهية ومتجاوزة نحو تمركزها في اللوحة إلا أن تظهر في لوحات تالية متواضعة قابعة في أحد أركانها مفسحة فضاء لحضور حرف الهاء الذي يفتح بقدومه شلالا من الضوء المنهمر في شكل حرف ألف –أ- هل للهاء هنا علاقة بتلك الإضاءة المبهرة –ألف- ربما يكون حضور ضمير الغائب الحاضر الهاء- والهاء المربوطة فيه مداعبة لمخيلة المتلقي، خاصة إذا ما دقق النظر في تحولات حرف الإكس –X- إلى لا العربية ومنها إلى اللام المضاعفة الملتحمة بمثلث يلعب دور الهاء المربوطة.
فنرى المشهد في كليته ساعيا نحو ترتيبه لتلك التشكيلات الحروفية ليكون علامة يمكن أن تُقرأ في شبه الجملة –هو الله- هذا السعي الحركي الذي يشغل فضاء اللوحات في تحولاتها يضمر زمنا مغموراً في الانفعالات اللونية.. فتجاعيد السطح المتقادمة وتحور الخربشات وإعادة تموضع المثلثات والحروف، تجعلها في وضعية الاستجابة النصية فحرف –X- بخط في أسفله ينطقه لا العربية بينما الواو النشطة والمنتشرة بين العناصر والرموز المختلفة تسعى دائما إلى تواصل المنبثقات وإرجاعها إلى مربع الوجود لتقول كلمتها المتحجبة –هو الله-.
إن جدران التميمي اللونية نص يتأمل سجلات طفولتنا، حيث الخربشات البريئة موصولة بسجلات اللاوعي الجمعي، المطوية في طبقات أنفسنا السحيقة، تحفر في اتجاه علامات الميثولوجي وصولا إلى رؤية ميتافيزيقية ترى في التكرار تحولات لا تخلو من التضاد يجسدها الإكس –X- بزواياه المتناظرة والمنجب لـ -لا- الرافضة المعترضة، ربما، أو هي النافية للشرك في قراءة أخرى وفي كل الحالات يمكن رؤية أعمال سالم التميمي كفن يحفر في أحد أهم مكونات الهوية، كرحلة في فضاء الميتافيزيقا، كزمن منبثق من العلامات.
3- المفاهيمي والإجرائي في أعمال مرعي التليسي التشكيلية
اتسمت البدايات الفنية عند الفنان مرعي التليسي بالواقعية كان ذلك في نهاية السبعينيات ، ومع بداية الثمانينات اتجه نحو السريالية التي لم يستمر معها طويلاً ، وإن كانت قد شكلت حلقة انتقالية بين الواقعية وما يمكن أن نطلق عليه " المفاهيمية الإجرائية " وإذا تأملنا أعماله السريالية ، فلا يمكن أن نراها سوى محاولة للبحث عن أسلوب فني يمكن أن يتسع للتعبير عن الخبرة الذاتية المعتملة في ذات الفنان ، ولكونها خبرة ذاتية حياتية فإن أسلوب السريالية الذي هو تعبير عن عدم التحقق والمكبوت يكون غير مناسبا بل متناقضاً مع موضوعات الخبرة الحياتية الذاتية والموضوعية .
هذا التناقض لا يلغي الإفادة الفنية والتقنية في مسيرة الفنان ، فتجربته السريالية على الأرجح هي التي أوحت له بالانتقال إلى المفاهيمي والإجرائي مستفيداً على وجه الخصوص من عنصر التركيب الذي ظهر مبكراً في لوحاته السريالية . إلا أننا هنا نود أن نشير إلى أن هذا الإجراء المنهجي يقابله ضرورة اتصالية ظاهرة ، بساطة هذا الظهور ، يجعل الملاحظة تنصب على عملية التوفيق بين الإمساك بالإلهام الدقيق المفهوم من ناحية والضرورة الاتصالية من ناحية أخرى ، وفي تقديري أن هذه العملية الفنية قد أنتجت حوارية داخلية هي تماما فحوى وسر الفن في لوحات التليسي .
وهي وإن كانت ناتج عملية داخلية إلا أنها شكلت عنصراً تواصلياً مع المتلقي لعب على تضعيف العنصر الحواري عبر قراءة المتلقي للوحة المحولة إباها بذلك بواسطة مجموعة العناصر المميزة في التكوين إلى حالة نصية .. بحيث يمكننا أن نقول إن منهجا مفاهيميا وإجرائيا يسم تلك اللوحات .. فمن لوحته " احتضار " 1992 التي في تقديرنا افتتحت هذا المنهج الذي استمر فيه حتى الآن ، نستطيع أن نميز مجموعة من العناصر المتواترة ذات الدلالة الرمزية التي عملت على تجاوز الفنان للحالة الوصفية إلى الحالة الإيحائية , ونستطيع أن نقول بأن هذا التطور عند "مرعي التليسي" كان عبوراً من آنية الرؤية التي تتمسك برؤية الشيء كما تراه العين إلى رؤية تركيبية لعناصر متعارضة تركز على بنية الموضوع ، وألوان عناصره التي تساهم في بنية التعارض . إن" مرعي التليسي " عندما يضع لوحته على الحامل يظل في حالة صراع مع اللون ليجبره على أن يحمل سماته من ناحية ، ومن ناحية أخرى تحميل السمة اللونية إيحاء تعارضيا في الرسم وإن كان لا يسمح بظهور الشيء مفككا ، فإن الإيحاء اللوني هو المعول عليه كما في لوحته " طائر الحلم " التي استخدم فيها تقنية الفرشة الهوائية . فنجد السماء كفضاء يحدد عمقها كثافة الأزرق وقوس قزح الذي أخذ شكل زوايا مستطيلٍ غير مكتمل كأنها شبكة ألوان عاطفية تحاول اصطياد الطائر .
إن الألوان هنا في هذه اللوحة قامت بوظيفة الإيحاء ، وأخرجت عناصر التكوين من كونها أشياء واقعية ، فالسماء بزرقتها الكثيفة تكشف عن العمق اللانهائي لتشكل بذلك تضافراً مع البعد الرمزي المعطي عن طائر السنونو وهو شهوة السفر ،فيكون التضافر هنا بين عنصري العمق اللانهائي وشهوة السفر ، فإذا دققنا النظر في ألوان طائر السنونو الرصاصية المحيلة إلى لون المعدن وتحديدات خطوط الطائر المحيلة التي شكل طائر صناعي ، فإن كلا العنصرين يشكلان معا إمكانية الإحالة إلى آلة للطيران .. تلك الآلة الطائرة بدورها سوف تحيلنا إلى الإنسان الذي يستخدمها كوسيلة سفر عبر الآفاق .. تلك الآفاق التي جعل منها الأزرق الكثيف عمقا لا نهائي للسفر ، هذه اللانهائية يعترضها هنا قوس قزح الذي خرج بدوره عن واقعيته . آخذا شكل زوايا مستطيل ممحوة نهايته السفلي ، فبدا كخطاف منصوب ، أو كمسطح محايثة متعين على مسطح من ( الكاوس ) في محاولة لانتشال الطائر من حالة العدم المضمرة في شهوة السفر الدائم . راسما بذلك كل ألوان العاطفة المحلقة كمتكأ لأغراء الطائر وغوايته .
من هنا نستطيع أن نقرأ لوحات الفنان " مرعي التليسي " خاصة تلك التي تحمل تاريخ أعوام منتصف تسعينيات القرن العشرين ملاحظين فيها مجموعة من العناصر المميزة لمنهج مفاهيمي إجرائي يتسم بنزعة تركيبية ظاهرة كما في لوحة " ترنيمة " وسماء افتراضية " و " الأمل " و " إطلالة " وجميعها تحمل تاريخ 1995 زيت على قماش . وقد أكدت أعماله التي أنتجت في العقد الأول من القرن الحالي على هذه العناصر التكوينية مثل لوحته " باب على الصحراء " و " نافذة " حيث نرى في الأولى بابا زجاجيا يغلق مسطح اللوحة ، وضع عليه جنزير وقفل من طراز قديم ، تظهر الصحراء الجافة من خلفه بينما على شمال اللوحة من الأسفل نرى قلادة ملقاة بطريقة توحي بأنها سقطت من صاحبتها التي مرت من هناك مثيرة عدة تساؤلات تنضم إلى التساؤلات الاستفزازية التي يثيرها بابا زجاجيا مغلق على الصحراء .. لتشكل معا حزمة من الأسئلة التي تتحدى المتلقي ، ملقية في وجهه بالسخرية مما يسميه الحقيقة .. حقيقة ما تراه عيناه ويسميه الواقع ، وفي الوقت الذي يضج فيه صمت اللوحة مسجلا حالة الغياب والسكون ، يكون التعارض بارزاً ، والرمزية فيه شفافة ، وبسيطة بساطة تناظر الرؤية الاعتيادية للمتلقي المتيقن مما تراه عيناه ببساطة التناظر هذه تشكل حالة انقلابية تهز موقع نظر المتلقي وتصيب ذهنيته اليقينية بالشك ، مدخلة إليه مبدأ عدم اليقين المحيل إلى قبول احتمالات تعدد المعنى .والذي نستطيع أن نقدم فيه إحدى نماذج هذا التعدد ، باب موصود . باب شفاف للعلم بالشيء . لا يسمح سوى بعبور النظر إلى مدى غير محدود . حيث أقفال المنع تحرم الجسد من العبور . فالمقموع يتشكل هنا مع إمكانية الرؤية الشفافة . جاعلاً رؤية المكشوف تحت الضوء للمدى المقموع أشبه بالحلم . بينما اندياح اللون على فضاء اللوحة لا يترك للبياض أن يمارس لعبة المتن والهامش . فاللوحة هي كل المتن والرائي الذي هو نحن هو الهامش وغير المرئي ، ومع هذه الحالة تختفي الأنا ضيقة الأفق التي تحتاج إلى البياض المؤطر والمحصن والمحدد لحدودها في مواجهة الآخر ذلك المنفي خارج الصورة في البياض .. في باب على الصحراء يستبدل الفنان ، تلك الذات ضيقة الأفق بالموضوع في رؤية تستغرقها وتحيلها إلى علاقة بالموضوع هذا الذي لملم الفنان مفرداته من هذا المستحيل – الواقع – الباب ، السلاسل بالإقفال . الفراغ الموحش ( خلف ) الزجاج . مفردات من واقع مستعصي على الإمساك . والصحراء الفاصلة وغياب الإنسان وتهميشه خارج الصورة - رائي – تجذب نظره تلك القلادة الملقاة كأثر لحكاية غامضة ربما وقعت أحداثها قبل أن توصد الأبواب .
وتعتبر لوحة " حنين " 1992 التي استخدام فيها مواد مختلفة على قماش محاولة لأن تحمل الألوان إحساسا عاطفيا، ربما قادته عبر السيطرة على اللون وعناصر التكوين إلى التطوير الحركي / الإجرائي للعناصر والذي رأيناه بعد ذلك في التوظيف المنهجي في أعمال منتصف التسعينيات.. ويمكننا رؤية امتداد هذا التوظيف في أعمال العقد الأول من القرن الحالي مثل لوحة " باب على الصحراء " الذي تناولناها سالفا ولوحة " نافذة " التي يتحول فيها عنصر النافذة في لوحة " حنين " من التعبير عن إحساس ذاتي إلى عنصر موضوعي في تركيب مفاهيمي .
إن تجربة " التليسي " في منتصف التسعينيات التي شهدت ليس فقط النضج والجاهزية وإنما أيضا غزارة الإنتاج وكأن بوابة قد انفتحت على أفق طال انتظاره . غزارة حاملة معها ومؤكدة على منهج تركيبي إجرائي يعمل على منطقة في العملية الإبداعية تحاول التوفيق بين ما هو ذاتي / داخلي وما هو موضوعي / خارجي . وهي سمة تتقاطع مع الإيهام بتقديم تجربة بصرية مباشرة لا هم لها أبعد من تسجيل المظاهر ، وإن كانت تجربة التسعينيات " لمرعي التليسي "تنتمي إلى الفن الحديث إلا أنها ظلت وفيه للعرف الأكاديمي الذي يرى ضمن ما يري أن تكون الصورة غير حاملة لأي أثر للتفكك شأنها شأن المشهد المرئي .. فقد حافظ التليسي على هذا الشرط معوضاً عن التفكيك بالتركيب الذي عندما اهتدى إليه تمكن من تخطي العرف الأكاديمي الذي كان واقعا تحت تأثيره حتى منتصف التسعينيات والذي بدأ مع الرغبة في تسجيل ما تراه العين على نحو ما تسجيلا مطابقاً ومحافظاً على التلاحم في النسيج ، وهو ما تم بطريقتين " إما بالتقليد الدقيق لمشهد واقعي ، أو بتكوين صورة حسب تلك القوانين البصرية التي تحكم بالضرورة بصرنا الأول .. أي المذهب التجريبي الذي استخدامه الفنانون الفلمنكيون في شمال أوروبا .. وإما بالطريقة الثانية وهي التي عرفت بالمنهج العلمي والتي اتبعت في إيطاليا خاصة على يد الفلرونسيين الذين كانوا أول من اكتشف القوانين البصرية للمنظور .
وظلت هذه الشروط ماثلة أمام الفنان "مرعي التليسي " ، ويبدو أنها كانت تشكل عائقا في البداية أمام تحوله من التعبير الأكاديمي إلى تعبير الفن الحديث .
وربما كان اعتماد الفنان على عنصر التركيب مع الحفاظ على الشروط الأكاديمية هو ما أربك بعض النقاد في تصنيف أعماله ، حيث لم يدركوا أهمية هذا العنصر الذي أخرج أعمال " التليسي " من العرف الأكاديمي إلى منهج مفاهيمي إجرائي .
بقلم
محمد سليمان الزيات
| التالي > |
|---|





