عاد المركز الثقافي المصري ليعرض علينا أعمال مجموعة من الفنانين التشكيليين الشباب المصريين يمثلون الوجه الجديد لهذا الفن الأصيل ، بعد وعدٍ من المستشار الثقافي السيد حسن الغزولي العام الماضي باستمرارية هذا الحدث الفني الذي أصبح متميزاً على ساحتنا التشكيلية ، وبالفعل في نفس القاعة التي احتضنت المعرض الأول العام الماضي، افتتح بدار الفنون معرض الفن المصري المعاصر للمرة الثانية لأسماء بدأت تبرز على الساحة التشكيلية هناك ، بتجارب تنحو أغلبها نحو الاتجاهات الفنية التي جاءت بعد مطلع السبعينيات من القرن الماضي ، عرضت أعمال حوالي سبعة فنانين شاركوا بتسعة عشر عملاً فنياً في مختلف قوالب الفن التشكيلي تقريباً من رسمٍ ونحتٍ وأعمال طباعة (graphics) .
عرضت أعمال حنفي محمود خلف الله - وشيرين عبد الحكيم البارودي - ومحمد بنوي سيد أحمد – ووئام أحمد المصري – وعامر عبد الحكيم عباس – وطارق مصطفى الشيخ – وشعبان محمد عباس .
هذه الأسماء وغيرها- لحسن الحظ - كنت قد شاهدت نماذج من أعمالها عند زيارتي لمعرض (نجوم اليوم) الذي أقيم في قاعة أفق المحاذية لمتحف محمد محمود خليل بالقاهرة سنة 2006 م وفي معرض آخر بقاعة (تاون هاوس) منطقة الميكانيكيين، إلا أن ما يمكن أن يقال عن هؤلاء الفنانين جيل التسعينيات والألفية الثالثة هو أنهم يختلفون بعض الشيء عن غيرهم من الفنانين جيل الثمانينيات والسبعينيات بأخذهم مما يطرح في الآونة الأخيرة على الساحة التشكيلية العالمية من تجارب تعتمد في الأساس على ما يعرف بالفن المفهومي و(التعبير عن الذاتي) واستخدام مواد لم تكن في الماضي تستعمل في صناعة العمل الفني ،وتجريب كل الوسائط والأدوات وكل ما يمكن أن يوصّل رسالة الفنان للمتلقي ، هذا إلى جانب ارتكازهم على ما أصبح يعرف اليوم بالتعبير عن اللحظة أو الراهن أو الآني ، كل هذا رسم ملامح التجربة الجديدة في الفن التشكيلي المعاصر سواء في مصر أو في بلدان عربية أخرى ،ولكن قبل أن نلج رواق دار الفنون لنقرأ الأعمال المعروضة ،علينا أن نلقي نظرة عامة على مستوى التنظيم الذي خص به هذا المعرض، فأول شيء قد يلفت انتباه الزائر هو غياب المعلومات عن الفنانين المشاركين في هذا المعرض وعن الأعمال الفنية المعروضة ، اللهم إلا أسماء الفنانين التي ألصقت على الحائط بجانب العمل الفني الأمر الذي أحدث ربكة لنا كمشاهدين، وأصبحت معرفة الخامة المستعملة ومقاس العمل الفني أمراً عسير وملتبساً علينا، مع الأخذ في الاعتبار ما أشرنا إليه مسبقاً من أن الفنان أصبح يستعمل كل ما يتاح له من مواد لإنتاج عمله الفني، زد على ذلك غياب السيرة الذاتية التي توضح مسيرة الفنان الذي نقف أمامه ،ولا ننسى أن نذكر بأن هذا النقص قد حدث في العام الماضي وإن كان المهم في واقع الأمر الأعمال المعروضة حتى وإن غابت هذه المعلومات التي تساعدنا على قراءة العمل الفني إلا أننا استطعنا تلمس الكثير من تضاريسها وتصافحنا لها الواحدة تلو الآخرة .
بدأنا من الفنان محمد بنوي (من مواليد الشرقية 1977 م بكالوريوس فنون قسم الرسم والتصوير الزيتي 2000 م) الذي عرض ثلاث لوحات صورت ( بورتري) لوجوه نساء في أوضاع منحنيات وملتفتات فيها برؤوسهن للخلف قليلاً وتنطمس ملامح وجوههن من الجهة التي يسقط عليها الضوء وتكاد تظهر بعض من ملامحهن جهة الظل، رسم هذه الوجوه في أجواء مظلمة كلاسيكية ولكن بمعالجات (طباشريةpastell-) حديثة وبضربات فرشاة طويلة مختصرة تحدد الشكل المرسوم وهي التي أعطت لهذه الأعمال روح حداثية ، وهنا يأتي السؤال عن استحضاره الأجواء والتقنيات الكلاسيكية ليوظفها في عمل معاصر " فالتحميل الضوئي الذي استخدمه الفنان محمد بنوي في هذه اللوحات هو من وحي التقنيات التي استعملت في عصر النهضة وبالتحديد عند أصحاب مدرسة (الباروك – baroque) حيث كان التقليد المتبع آنذاك في تقنيات الرسم يستدعي استعمال الألوان التي يدخل فيها اللون الأبيض بسماكة في الأماكن التي يسقط عليها الضوء وتكون الألوان بطبقات رقيقة في الأماكن التي تقع في منطقة الظل" هذه نقطة أما النقطة الأخرى فإن طمسه لملامح وجه النسوة اللاتي رسمهن يبدو أمراً مثيراً حتى وإن كان هذا الطمس أول ما ظهر عند المثال الإيطالي ( ميداردو روسو )( medardo rosso ) - من جماعة الانطباعية المتأخرة الذي جعل من وجوه الأطفال التي نحتها مطموسة كأن سائلًا قد انسكب عليها أو كأن معالمها بدأت تذوب وتسيح وتختفي " ما يجعل من هذا التلاقي في عمل محمد بنوي محط تساؤل حقيقي، فالفنان هنا يرسم لوحة تنهلُ من الماضي البعيد (الباروك) وكذلك مما هو قريب العهد وحديث (الانطباعي) لتظهر بثوب معاصر وجديد ،ثم أن هذا الطمس الذي ربما يقصد من وراءه القول "بأن نساء هذا العصر أصبحن مسلوبات المعالم نتيجة تشابه ملامح وجوههن بعد استخدامهن مساحيق (المكياج) وكذلك الحياة الرغدة اللاتي يعشنها خاصة وأن "المديلات" التي يرسمها محمد بنوي لا تعبر عن نساء يعانين من حالة فقر أو ذوات مظهر بائس بل على العكس تماماً، فالنساء اللاتي يظهرن على لوحات بنوي كلهن يوحين بمظهر الارتخاء والراحة، وبانحناء الأجساد للخلف والتفاتتهن تعبيراً عن الاسترخاء والرفاهية التي تكسي مجتمعاتنا المعاصرة" بل استطيع أن أضيف فوق هذا كله بأن شيئاً من روائح الجنسية تفوح منهن، وإن كان بنوي كان يقصد ما ذهبت إليه أم لا فالأمر يبقى رهين القراءة التي انطبعت بها من الوهلة الأولى عند مشاهدتي لهذه الأعمال.
أما الفنان حنفي محمود (من مواليد الوادي الجديد 1970 م ماجستير من قسم التصوير الزيتي كلية التربية الفنية 2002م) الذي ترك انطباعاً جيداً بعرضه ثلاثة أعمال، على ما يبدو بأنها قد رسمت بالألوان الزيتية على ورق صناديق كرتون، مستفيداً من الخطوط الأفقية البارزة والمنخفضة الموجودة في العادة على ظهر هذا النوع من (الكراتين) ،ليرسم لوحات لأنصاف أجساد عارية رجالية ونسائية ،أجساد واقفة ومواجهة تشبك بأياديها في منتصفها ولا يظهر منها إلا مقطع أيمن او أيسر من أسفل الوجه إلى أعلى منطقة العورة، ويخفي حنفي باقي الجسد ، يعالج لوحاته باختصارات لتفاصيل الجسد مكتفياً بوضع الإضاءات على خلفية نصف درجة من اللون بني طيني غامق ،ومستفيداً من تلك الخطوط البارزة من (الكرتون) ليضرب بفرشاته على حوافهاً خالقا بجرّات فرشاة مساحات من ألوان متقطعة على سطح اللوحة،هذه البساطة في المعالجة والتقديم واستخدام أتفه الخامات جعل من هذه الأعمال تحافظ على هوية مكانها ومن جهة ومن جهة أخرى تواكب روح العصر ، أما الفنانة شيرين البارودي (من مواليد الجيزة 1981 م بكالوريوس فنون تطبيقية 2003 م)، التي عرضت هي الأخرى ثلاثة أعمال تجريدية عملين منهما طليت بألوان قوية صارخة وغلب على العمل الثالث اللون الأبيض والأصفر والترابي، إلا أنها لم تبتعد في معالجتها هذه عن تلك الأعمال التي أنجزها "التجريديون الغنائيون" في أوروبا منتصف القرن الماضي حتى وإن كانت مسألة التجريد تبقى متشابهة في مجملها العام ، أما الفنان طارق الشيخ (من مواليد القاهرة 1979 م بكالوريوس من كلية التربية الفنية 1993 م) صاحب العملين الأكثر إثارة في هذا المعرض، وربما قد يتساءل أحدهم ما المثير في أعمال الشيخ ؟ لنقول له أن المهرج الذي ظهر على غير العادة واقفا ورأسه منكفيا للأسفل، لا تظهر له تفاصيل لملامح وجهه ولا لألوان ملابسه التي في العادة تكون مزركشة بألوان الطيف ، ولكنك ستكتشف من الوهلة الأولى وعند مشاهدتك لهذا الهيئة بأنها هيئة مهرج حزين منكسر الخاطر مطليا بالكامل بلون أزرق،وفي خلفية المهرج التي طليت بدرجات من اللون الأصفر وبدأت تتغطى أجزاء منها بأشرطة لاصقة كتلك التي تستعمل في ضمادات الجروح في المستشفيات ، إذاً مهرج حزين وخلفية صفراء وأشرطة لاصقة تغطي أجزاء اللوحة ؟ فالرسالة واضحة أراد الفنان أن يعبر عن الوجه الأخر لمهرج تائه يعيش حالة الوحدة والانكسار وهو الذي يعمل على رسم البسمة على شفاه الأطفال والكبار، والممثل لحالة البهجة والفرح والألوان والنشاط والمهارة ، ولكنه يظهر حزيناً مطموس الألوان محبط العزيمة ساكن الحركة ، واستطاع طارق الشيخ من خلال توظيفه لهذه العناصر مع استعماله للأشرطة اللاصقة ولملامس خشنة التي صنعها من العجائن لتعطي تأثير الخشونة أن يضفي على اللوحة حالة من الدراما وكأن حدثاً جلل قد وقع لهذا المهرج . وعلى امتداد نفس الجدار الذي عرضت عليه أعمال طارق الشيخ كانت لوحات الفنانة وئام أحمد المصري (من مواليد الجيزة 1976 م ماجستير من كلية الفنون التطبيقية 2002 م) الثلاث تتكئ على نفس الجدار نفذت بطباعة "النحاس على الورق"(graphics) تعرض فيها مواضيع تمس حرية المرأة واستباحة كرامتها ،وإن كان من المعروف لمن يتابع الحركة التشكيلية في مصر بأن وئام المصري من الفنانات الشابات الأكثر حضوراً وتنوعاً في استخدام للوسائط الفنية بين أبناء جيلها ، حيث تعبّر بالتصوير الفوتوغرافي والفيديو والطباعة والرسم عن مواضيع نستطيع القول عنها وحسب ما أتيح لنا من مشاهدة بأن أعمالها يغلب عليها تناول الجسد العاري كما في الأعمال التي عرضت في دار الفنون التي ظهر في إحدى لوحاتها الثلاث التي عرضت "أربع نساء عاريات ممتلئات الجسد تجلس ثلاث من هن على كراسٍ و يغطين بحركة من أياديهن المتقاطعة نهودهن،ويلتف حولهن خط لولبي كأنه دوامة يسجنهن ، أما المرأة الرابعة فإنها تأخذ نفس الوضعية ولكن لا يلتف حولها الخط اللولبي ،وقد تكرر المشهد في اللوحات الباقية ولكن بأوضاع مختلفة، والمتأمل في هذه وضعية للنسوة ،سيلمس إحساسهن بالخوف والحشمة من تعريهن والانكفاء على ذاتهن ، وجلوسهن على الكراسي يزيد التأكيد على حالة السكون مع حالة السجن التي مثلتها الفنانة بالخط اللولبي الذي يلفهن ،وهي لوحات تعبر بوضوح عن وضع المرأة في داخل المجتمع الذي يسيطر عليه وتكبله العادات والتقاليد القديمة ، والذي ينظر إليها على أنها موضوع جنس وشهوة ،وحتى تلك المرأة الرابعة من بين الثلاث التي رسمتها وئام خارج الخط لا تعتبر حرة وخارج سجن الخط اللولبي لأن وضعها لا يختلف عن باقي النسوة المحاذيات لها في اللوحة هو موضوع أرادت الفنانة وئام المصري "المرأة" أن تسرد به معاناة بنت جنسها،.
لننتقل الآن للجانب الآخر في هذا المعرض وهو جانب النحت الذي كان حسب رأيي أكثر تقدماً في الطرح منه في الرسم والتصوير الزيتي حيث عرض المثّال عامر عبد الحكيم عباس (من مواليد الجيزة 1986 م بكالوريوس كلية التربية الفنية جامعة حلوان 1993م )، عملين يمثلان أجساداً على ما يبدو لرجال مصنوعة من سلك معدن مغلفة بطبقة من الزجاج،فالعمل الأول ظهر فيه رجل كأنه يسبح في أعماق البحر أما العمل الثاني فظهر فيه رجل واقف ، والملفت للانتباه في هذه الأعمال ليس الوضعيات التي اتخذتها الأجساد إنما طريقة المعالجة التي تمت بها صناعة هذه (المنحوتات المعدنية - metal sculptures) بخامة السلك وإن كنت هنا لا أقصد استعمال سلك الحديد لصنعة عمل فني ،فالكثير من الفنانين (ما بعد الحداثة – postmodernism) استعملوا الأسلاك في صناعة منحوتاتهم ،ولكن التميز عند عامر عبد الحكيم هو تغليف هذه المنحوتات بطبقة من الزجاج بحيث أصبحت وكأنها إعادة إنتاج لما هو "صناعي معلب" وخلق بذلك انعكاسات جمالية سببتها التعرجات التي على سطح الزجاج ، ما جعل من هذه الأجساد المنحوتة وكأنها أجساد بشرية محنطة. وإلى جانبه عرض المثّال شعبان محمد عباس (من مواليد الفيوم 1969 م بكالوريوس كلية الفنون الجميلة 1994 م ) ثلاث منحوتات فنية هي بالفعل تصب في خانة ما يسمى بالفن المفهومي ففي العمل الأول ظهر فارس مقطوع الأطراف على جواد يقف على قدميه الإماميتين وقدماه الخلفيتان مقطوعتان أيضاً ويمد برأسه للأمام ،ومن الوهلة الأولى عند مشاهدة هذه المنحوتات يتضح الخطاب الذي يريد شعبان عباس البوح به ، ألا وهو أن عهد الفروسية قد ولى فالفارس الشهم المقدام مقطوع اليدين الرجلين وحتى فرسه هي الأخرى مقطوعة الرجلين الخلفيتين التي في العادة وكما يظهر في المنحوتات الكلاسيكية تقف عليها أثناء صهيلها كنوع من التعبير عن المجد "أنه مشهد دراماتيكي" صنع شعبان عباس هذا العمل بخامة (الفايبر قلاس- fiberglass) .أما العمل الثاني الذي لفت الأنظار من أعمال شعبان عباس هو ذلك التكوين الذي ظهرت فيه قطعة حجر كبيرة موضوعة فوق قطع من الرقائق الحجرية المصفوفة الواحدة فوق الأخرى ولكنها في وضع مختل التوازن ،وكأني بهذا الضغط الذي تسببه الحجر الذي ظهر على سطحه شيء من الزغب والقطن والتعفن ما يجعل من باقي القطع تختل وتهوى للسقوط (أنه على ما يبدو ضغط كل من هو في الأعلى على من هو في الأسفل الحياة) ونختم جولتنا في هذا المعرض بمنحوتة الثالثة للفنان شعبان عباس التي مثل فيها رجل مسن يلف نفسه برداء غليظ ويلتفت على يساره وكأني بهذا الرجل يلف نفسه من برد الدهر ومصائب الزمن الطويل، إنها حال من التوحد مع الذات .وفي آخر هذه القراءة التي حاولت من خلالها تلمس مسار الفن التشكيلي المعاصر في مصر والذي كما قلت في البداية بأنه أصبح علامة مميزة في النشاط الثقافي السنوي في بلادنا، وجاء يعرض علينا خميرة الإنتاج الإبداعي الشبابي اليوم ،وليؤكد على أن الفن التشكيلي يبقى أكثر قوالب الثقافة تمثيلاً للفكر في عصر غلبت فيه الصورة على الكلمة والفكر على ما هو نمطي متوارث .
أحمد الغماري .




