
قدم الكاتب الراحل "خليفة حسين مصطفى "
إرثاً من الإبداع الروائي الذي من شأنه أن يثري المكتبة الأدبية الليبية
وإن أسعفته الحياة لقدم المزيد من الروايات والأعمال التي من شأنها منافسة
الأعمال التي تحصد لآن الجوائز وتحول إلى مسلسلات تلفزيونية ، أستطاع على
مدار سنوات متتالية أن كتابة رواية تلو الأخرى رغم صعوبة الحياة والركض
خلف لقمة العيش فلم تكن الكتاب تُذر الكثير ولم يكن هو يطالب أو يلح على
الجانب المادي، كانت تكفيه كلمة مديح من قارئ أو ناقد ويكتفي بوصول عمله
لهم،
عمل "خليفة
حسين مصطفى " في الإعلام منذ بداية السبعينيات وتدرج في المهام الإعلامية
من محرر لجريدة الأسبوع الثقافي، إلى مراسل للصحيفة الجهاد بلندن ثم مدير
لقسم كتاب الطفل بالدار الجماهيرية للنشر والتوزيع، فمدير تحرير مجلة
سنابل، ليكون أخيرا رئيسا لتحرير مجلة الأمل التي تعنى بأدب الطفل قبل أن
يتقاعد ويتفرغ كليا للكتابة ، رحل في 21-11-2008 بعد صراع مع المرض ليترك
خلفه أرثاً آخر من الأعمال الأدبية والمخطوطات لم تكتمل بعد لبعض الروايات
والكثير من علامات الاستفهام التي تخص بعض حقوقه المادية التي لم يستردها
بعد ، سعينا إلى معرفة المزيد من زوجته السيدة "نعيمة البكوش" التي حدثتنا
بكل شفافية وصدق كاشفة لنا بعض الجوانب الجديدة لهذه الشخصية الفريدة.
بدأت السيدة نعيمة البكوش الحوار قائلة :
أحب أن أقدم
بطاقة تعريف له خليفة حسين مصطفي" من مواليد طرابلس 28-12-1944م ، بعد
إتمامه للشهادة الإعدادية التحق بالمدرسة الثانوية عن طريق الانتساب
وأستطاع في سن الثامنة عشرة أن يصبح مدرساً للمرحلة الابتدائية وانتسب بعد
ذلك إلى معهد المعلمين ، ثم التحق بجامعة قاريونس و تخرج من قسم التاريخ
الذي ساعده بعد ذلك في الكتابة الروائية وخصوصاً وأنه كان يعشق الكتابة عن
الأحياء القديمة في مدينة طرابلس و يصور الحياة الاجتماعية فيها ، بدأ في
كتابة أولى أعماله في سنة1967وكانت عبارة عن مجموعة من القصص القصيرة منها
قصة بعنوان "صخب الموت" و "توقيعات على اللحم" وكانت هذه القصص القصيرة
تعتبر بدايته الفعلية في عالم الأدب ، كانت له بعض الكتابات قبلها وأذكر
أنه ذهب في ذلك الوقت إلى إحدى الصفحات الثقافية لنشر قصة قصيرة قد كتبها
وبعد تسليمها بمدة أخبروه أنها ضاعت ، لم يفقد الأمل وأعاد كتابتها مرة
أخرى ليحدث نفس الشي ويتكرر فأصر على عدم الاستسلام وأرسلها للمرة الثالثة
وبالفعل تم نشرها بعد ذلك.
نهلة العربي : لمن كانت قراءاته الأولى التي تأثر بها؟
بدأ اهتمامه
بالأدب من خلال قراءاته المتواصلة للقصص البوليسية وكان يقرأ أيضاً لبعض
الأدباء المصريين منهم إحسان عبد القدوس ومحمد عبد الحليم ويوسف السباعي
وبعد ذلك نضج في بحثه عن الكتابات الجادة التي يسعى من خلالها لتطوير ذاته
الأدبية فقرأ لنجيب محفوظ وعباس العقاد وبعض الروايات المترجمة الأوروبية
منهم تولستوي.
نهلة العربي :حدثينا عن بدايته الأدبية وانطلاقته الأولى نحو عالم الكتابة الروائية ؟
بعد مجموعة
القصص القصيرة التي كتبها في 67 قدم في 1970 مجموعة جديدة من القصص منها
" الشارع الغربي" ومجموعة قصص للأطفال منها " الفئران تطير" وفى 1980 كانت
له مجموعة من الدراسات الأدبية منها " ذاكرة الكلمات " و " زمن القصة" وفى
سنة 1981 قدم دراسات نقدية لأعمال الكاتب "خليفة التكبالي " وكتاب عن
ثقافة الطفل العربي ثم قدم روايته الأولى " المطر وخيول الطين" وفى سنة
1982 قدم رواية " خريطة الأحلام السعيدة " ، " عين الشمس " في 83جرح
الوردة فى84 بأجزائها الثلاثة ، ثم رواية " الجريمة" و من بعدها رواية
"ليالي نجمة "في (99 ) ورواية " الوالي الأخير" و عين الشمس" التي اختيرت
من بين أفضل مئة رواية عربية و آخر أعماله الأدبية التي صدرت له رواية
"متاهة الجسد" ولا أريد أن أنسى أعماله المسرحية أيضاً التي منها مسرحية "
صاحب المقهى " و" الكرسي " ، ولو حصرنا العمر الزمني للكتابة الأدبية من
خلال أعماله فيمكننا أن نقول إنه كاتب نصف القرن لأنه بدأ الكتابة منذ سن
الثامنة عشرة.
نهلة العربي: بعيداً عن خليفة حسين مصطفى الأديب ماذا عن خليفة حسين مصطفى الزوج ؟
كزوج
كان ونعم الناس لدرجة أنني لا أتخيل وجود زوج يعامل زوجته بهذا الرقي ،
إنسان متسامح جداً و صبور هادئ جداً يحب الوحدة ولم تكن له العديد من
العلاقات الاجتماعية وربما الكتابة هي من فرضت عليه هذه الأجواء من العزلة
، كان يمارس الكتابة يومياً فيجلس في مكتبه من الساعة العاشرة صباحا حتى
الواحدة ظهراً ولم تكن له طقوس معينة في الكتابة فقط كان ينشد العزلة
والهدوء التام فبمجرد سماعه أي حركة بسيطة بداخل البيت يتوقف عن الكتابة
كنت أقوم بمسؤوليات بداخل وخارج البيت فقط لأهيئ أجواء الكتابة له ،
الكتابة كانت حياته " لطالما قال ذلك" (كتبي هي أبنائي) كان إنساناً
منظماً جداً لوقته فكان يخصص فترة ما بعد الظهر للقراءة ، أما كأب فكان
أبا حنوناً صدوقاً لابنيه الاثنين بهاء الدين وبدر الدين زرع فيهما حب
القراءة وكيفية اقتناء الكتاب.
لمعت في عيونها دمعة توقفت عن الحديث لدقيقة ثم أضافت بصعوبة:
"
أنا كزوجة خسرت إنساناً ترك من خلفه فراغاً كبير جدا ً، وربما أمارس
الكتابة الآن لأملأ هذا الفراغ ، كنت أكتب في الماضي للدعوة الإسلامية إلا
أنني فضلت التوقف خوفاً من سماع بعض التعليقات المتشككة في قلمي معتقدين
أن زوجي من يكتب لي أو يساعدني بقلمه أو بعلاقاته.
نهلة العربي : ما هي أهم المعوقات التي كانت تصادفه والتي كانت تشكل ضغوطاً على حركته الإبداعية؟
كان
يشكو من عدم وجود الدعم والتشجيع و توفير الأجواء بشكل عام للكاتب و عدم
وجود الاهتمام الحقيقي بالرواية فنجد أن معظم المسابقات والجوائز
التحفيزية في مجال الشعر أكثر من الرواية ، كان يفتقد للمكتبات التي تقوم
بجلب جديد الكتب العربية والعالمية لأنه قارئ نهم يعتقد أن على الكاتب
الجيد أن يقرأ بلا توقف وفى جميع المجالات والتخصصات ، وأذكر أنه كان يقول
" ليبيا لا يوجد بها ناقد" وإن وجد فلا يعرف ما هو النقد البناء ومن بعض
المعوقات أيضا كان الجانب المادي الذي لم يسترد بعضا منه إلى اليوم فما
تزال بعض حقوقه المادية لم نتسلمها من بعض الجهات التي سعيت إلى مطالبتها
بهذه الحقوق ولكن لا حياة لمن تنادي ، والنقطة الأهم والتي كان يتحدث عنها
واليوم للأسف نعاني منها هي في حالة رحيل الكاتب لا نجد من يهتم بإعادة
طبع أعماله كما يحدث في الدول الأخرى رغبة في إحياء هذا الكم من الأدب
سعياً لإثراء المكتبة الليبية ، وأنا أسعى بالفعل الآن إلى ذلك وأبحث عن
كل نسخة كتاب له في المكاتب أو في المخازن.
نهلة العربي:ما هي أفضل رواياته والأقرب إليك ؟
رواية
" ليالي نجمة" التي مازلت حتى اليوم أجمع كل ما يكتب عنها ، كانت طموحاته
لهذه الرواية كبيرة أراد أن تتحول إلى مسلسل سينمائي بإخراج وتمثيل مصري
لأنه كان يراها لا تختلف كثيرا عن "ليالي الحلمية" وتتقارب أيضاً على
مستوى الكتابة وكانت هذه إحدى أمنياته الأخيرة.
"نهلة
العربي" : للحظة لو قمت بفصل نفسك عنه وعن العلاقة التي تربطك به وقرأت
أعماله كقارئة لا تربطك به أي علاقة، كيف تقيمين أسلوبه السردي في كتابة
الرواية ؟
بحكم تخرجه من قسم التاريخ شعرت أن هذا الجانب
يؤثر علي كتاباته كثيراً كان دائم الاهتمام بالأحداث التاريخية وكل ما
يدور بداخلها من حياة اجتماعية بداخل الشخصيات في تلك الحقبة البعيدة من
الزمن، لم أكن أعرف أن زوجي يعاني من الكتابة إلا في الفترة الأخيرة قبيل
وفاته ولأنه سخي في عملية الكتابة اليومية أذكر في بداية مرضه أن طبيبه
منعه عن التدخين وقد كانت له عادة قديمة بتدخين السيجارة باليد اليسرى
والكتابة باليمنى فقال له إن منعتني عن التدخين منعتني عن الكتابة وإن
منعتني عن الكتابة منعتني من الحياة، ولم يتوقف عن التدخين بالفعل ليكتب
وفى شدة مرضه توقف ولم يستطع تحريك أطرافه كلها إلا اليد اليمنى ، لا
أستطيع في حقيقة الأمر أن ألعب دور الناقد لروايته وأقول إنه قدم الكثير
في فترة زمنية صغيرة واذكر لقاء للأديب يوسف الشريف الذي قال "ليالي نجمة"
هي الرواية الليبية الأولى لأنها ليبية المنشأ والتاريخ .
نهلة العربي: هل هناك إرث أدبي تركه خلفه من أعمال كان بصدد إخراجها إلى النور؟.
خليفة
كان إنساناً منظماً جداً فكان يخصص ملفا لكل شيء فلم أجد صعوبة في البحث
بين أشيائه وجدت له بعض المقالات التي كان يحتفظ بها لبعض الصحف مثل نهلة
العربي وقورينا والشمس والشط وبالفعل سعيت إلى نشرها، كل منها في مكانها
الذي كتبت له ، ترك خلفه أيضاً " مخطوطاً أولياً لرواية بعنوان " نساء
القرن الواحد والعشرين " كتب منها حوالي المئة صفحة ومخطوط لرواية أخرى
أطلق عليه " زهرة الألم "، ترك أيضاً مسلسلاً تلفزيونياً بعنوان "الباب
الجديد" وهو عبارة عن 30 حلقة وترك بعض العقود التي تثبت انه كان يسعى
لإعادة طبع بعض أعماله منها كتاب ثقافة الطفل العربي وبعض رواياته الأولى
و بعض هذه العقود تفيد أنه لم يأخذ بعد حقه المادي منها وهذا ما أطالب به
أنا الآن .
نهلة العربي : لماذا لم يخرج خليفة حسين مصطفى هذا المسلسل إلى النور ويسعى في حياته لإخراجه وعرضه على شاشة التلفاز؟
للأسف لأنه لم يكمل كتابة هذا المسلسل إلا في فترة متأخرة من مرضه وهذا السبب الأول في منعه من التفرغ لمثل هذه المهام.
نهلة العربي :هل ترشحين مخرجاً أو جهة ما لتبني هذا العمل؟.
حاولت
بالفعل إيصاله إلى أي جهة لها علاقة بالإذاعة المرئية وفوجئت بروتين غريب
في الإجراءات وكل اتصال أقوم به يقودني إلى اتصال آخر في دائرة لا تنتهي
وكل شخص يرسلني للذي يليه مما سبب لي نوعاً من الإحباط وقمت أيضا
بالاتصال بأمين الإعلام والثقافة الذي وعدني بالاهتمام بالموضوع ولكن لم
يتحرك أحد بعد ولهذا توقفت عن الاتصال بهم.
نهلة العربي : مَنْ مِنَ الكتاب الليبيين الذي كان حريصاً على تتبع أعماله؟
كان
يصل له نسخة مهداة من كل عمل يصدر لكاتب ليبي تقريباً فلم أستطع حصر الكتب
التي أهديت له وربما يكون الكاتب " أحمد إبراهيم الفقيه " من أكثر الكتاب
الذين كان حريصاً على قراءة كل كتاباتهم وأذكر سعادته إلى اليوم عندما قرأ
ما كتبه عنه ولقبه بالناسك في محراب الكلمة .
نهلة
العربي : حدثينا عن فترة مرضه ، من ساعده في أيامه الأخيرة وكان بجانبه من
الوسط الثقافي ؟ وهل كان هناك أي دعم مادي من الدولة لعلاجه؟.
بدأ
المرض يتمكن منه في أواخر شهر8 لسنة 2008 كان يكره الأدوية ولم يصدق في
بداية الأمر أنه يعاني من مرض ما فكان يرفض زيارة الطبيب وعندما فعل في
نهاية الأمر كان المرض قد تمكن منه بالفعل ، سافرنا إلى تونس للعلاج وهناك
أخبرونا أنه لا يوجد أمل ولو بالعلاج الكيماوي لأن المرض قد تفشى ، معظم
الأدباء لم يتوقفوا عن الاتصال به والسؤال عنه وكان يطلب مني أن أمرر له
أي اتصال لأنه يشعر أن كل مكالمة وكل كلمة ترفع من معنوياته وتساعده على
تخطي الأزمة وكانت أمنيته الأخيرة أن يتوفى في بيته وبين أولاده فرجعنا
بالفعل يوم الخميس 20-11 إلى أرض الوطن وتوفي صباح الجمعة 21-11-2008.
توقفت عن الكلام هنا وبكت بدمعة مكبوتة ثم أضافت بصوت مرير :
لو
كان له أمل بنسبة %1من الحياة لسعي لاستنزافه في الكتابة،كانت طموحاته أن
يكمل ما بدأ من أعمال ليكتب ما هو أفضل من " ليالي نجمة " وأن يرى بعض
أعماله يتم تحويلها إلى مسلسلات وتوفي ولم يتحقق له ذلك وأنا أتمني من
الجهات المسؤولة مساعدتي على تحقيق ذلك له، في بداية رحلته مع المرض لم
تدعمنا أي جهة من الدولة في العلاج فقمت ببيع بعض المصوغات الذهبية للسفر
إلى أقرب دوله وهي تونس ، كان أديباً كبيراً من المفترض أن يرسل إلى أفضل
الدول العربية أو الأوربية للعلاج ، وطلب مني بالفعل الاتصال ببعض الجهات
لجلب طبيب له من الخارج لتونس ولكن للأسف سمعت الكثير من الوعود التي لم
تتحقق ، كان الكاتب "علي فهمي خشيم" و"احمد إبراهيم الفقيه " و " محمود
البوسيفي" على اتصال دائم معه في ذلك الوقت وقام بزيارته السفير الليبي في
دولة تونس وهناك من كتب عنه هنا في ليبيا ، كانت إقامته بالمستشفى هناك
على نفقة الدولة وهذا كل ما قدمته الجـــــــهات المســــــــؤولة لهذا
الأديب.
نهلة العربي :
أخبرتني عن امتلاكك لعقود تفيد تعاقده مع جهات عديدة ولم يستلم منها إلى
الآن حقوقه المادية ، هل تفكرين في رفع الموضوع إلى القضاء لرد هذه
الحقوق؟.
تركت أخاه " محمود" ليتولي هذه المهمة التي لن
أتردد في السعي فيها ما أن أتأكد من الأمر، حاولت الاتصال بأمين الإعلام
وطرح الموضوع عليه وخصوصاً انه لديه مبالغ مادية في أكثر من جهة ومنها من
لا نعلم عنها شيئاً وعدني بالمساعدة ولم يحدث شيء، وهذه الحقوق أولاده في
حاجة إليها الآن. نهلة العربي : هل كان يفكر في كتابة سيرته الذاتية ؟ هل
ترك خلفه يوميات مثلا؟
كان يطلب مني أن أقوم أنا بكتابة سيرته
الذاتية في يوم ما بحكم أنني الأقرب إليه وأفكر بالفعل في هذا الأمر
ومازلت أحتفظ بكل ما قد يدعمني في هذا حتى رسائل معجبيه أحتفظ بها و أسعى
لجمع المعلومات الأخرى فأنا عشت معه 23 سنة ولا أعلم شيئاً عن 18 سنة
السابقة وإن وجدت من لديه الكفاءة لكتابة هذا العمل سأمده بالمادة
ليكتبها هو.