أقيم بالمركز الوطني للمحفوظات والدراسات الوطنية التاريخية يوم الاربعاء الماضي محاضرة بعنوان " تمثيلات المثقف فى الرواية الليبية" والتي ألقاها السيد الباحث والدكتور بجامعة الساربع من أكتوبر – مصراته " محمود محمد أملودة " والذي سبق ونشرت له العديد من الدراسات والمؤلفات النقدية ومتحصل على الدكتورة فى الادب والنقد جامعة اليرموك – الأردن .
وفي أطار بحثه عن هوية المثقف فى النص الروائي الليبي يقدم لنا هذه الدراسة حول هذا الموضوع من خلال التطرق الى بعض النماذج من الاعمال الروائية الكبيرة والمعروفة مثل رواية " ليالي نجمة " للكاتب خليفة حسين مصطفى ، و ثلاثية احمد ابراهيم الفقيه " سأهبك مدينة أخرى" و"هذه تخوم مملكتي" و"نفق تضيئه امرأة واحدة “ ثم تطرق الى بعض المؤلفات الاخري لبعض الكتاب ابينهم الاديب ابراهيم الكوني والكاتب الراحل الصادق النيهوم وغيرهم.
البداية مع تاريخ الرواية الليبية
بدأ الباحث الليبي محمود أملودة بسرد بعض المعلومات حول بداية نشاة فن كتابة الرواية فى ليبيا و اوضح من خلال هذه المعلومات بأنّ تاريخ أول نصّ روائي يرجع إلى سنة 1932م، وهي رواية تاريخية بعنوان '' مبروكة '' للروائي حسين ظافر بن موسى، وهو كاتب من المهجر الشامي، فيما ظهرت أول قصة قصيرة في مجلة ليبيا المصوّر للقاص وهبي اليوري بعنوان '' ليلة الداخلة ''.
واستعرض بعد ذلك التباين الاجتماعي في بعض الاعمال الروائية الروايات، و تباين الأصول وتمثله في رواية '' من مكة إلى هنا '' للصادق البنهوم، والتي عالجت المعاناة بسبب اللون، إدانة رجل الدين الفقيه'' المتصوفة''، وتباين القيم، وتمثله رواية "شيء من الدفء" لمرضية النعاس، والتي طرحت صراع الأجيال، القبول والرضا، ، الرفض والتمرد، وتباين الثوابت وتمثله رواية نافذة على الحقل الخلفي لمحمد عجينة، والتي بحثت في تباين القيم بين الريف والمدينة، وقيم التعاون، والالتزام الديني والخلقي، وذهبت هذه الرواية إلى هجاء المدينة ومثالية الريف، وتباين الثقافة، وتمثله رواية '' وميض في جدار الليل'' لأحمد نصر، والتي عالجت بدورها التحرر السياسي، الاجتماعي، والمشروع النهضوي. وتباين الوعي، وتمثله رواية '' في المنفى'' لرجب أبو دبوس، والتي طرحت قضية التمرد على الدين، والتشكيك في الإرث الإنساني، والوعي الحاد بالوجود، مشيراً بأن فترة السبعينات لم تشهد نصاً روائياً يقارب الحاضر.
وتابع الباحث املودة بأن فترة الثمانينات شهدت ولادة '' 18 '' نصا روائياً، ولكنها كانت تمثل استمرار الكتابة عن الزمن الذي مضى، ومنها الرواية الاجتماعية، والتي عالجت قضية المرأة المستسلمة مثل رواية ''حقول الرماد'' لأحمد الفقيه، والرواية الرمزية '' الإسقاط السياسي '' مثل رواية '' القرود '' لصادق البنهوم، وأزمة المثقف '' رواية الطاحونة '' لسالم الهنداوي، والرواية الانتقادية والتي سردت فجيعة الذات وهجاء الآخر، مثل رواية'' رباعية الخسوف'' لإبراهيم الكوني، أما فترة التسعينات فظهرت ''25'' رواية تباينت في المستوى الفني بين التجاوز والهبوط والتقليد، وتأثرت بالمناخ العام الداخلي والخارجي، تسريب المحلية، وحرب الخليج والحصار، والنظرة إلى الغرب، وتنوعت هذه الروايات بين الاجتماعي، السياسي، التاريخي، الواقعية السحرية، والنضال الوطني،فيما قدمت فترة الألفية الثالثة إلى سنة 2007م '' 12 '' نصاً روائياً، استفادت من مرحلة الانفتاح، حيث برزت قيمة التوجه بقوة نحو الداخل، الجرأة في طرح القضايا الساخنة، وتعرية آثار الحصار والكشف عن معاناة المواطن الليبي، إلى غير ذلك من القضايا الساخنة.
الإشكاليات في الرواية الليبية
وتطرق الباحث أملودة فى هذا الجزء من المحاضرة الى الإشكاليات في الرواية الليبية موضحاً بأن محاور الإشكاليات تقع أولاً في التلقي، والذي ساهمت فيه عدة نقاط منها تأخر الاعتراف الرسمي بالرواية، النقد الصحفي، من حيث محاصرة الكاتب عن طريق الربط المباشر بين نصه المتخيّل وأفكاره، والمطابقة بين المجتمع الروائي المتخيّل والواقع الخارجي، وتدني مستوى قراءة الرواية، والإشكالية الثانية '' التقنية '' من حيث الوقوع في أسر الرواية المصرية، ونمطية البنى السردية، وثالث الإشكاليات المبدع نفسه والتى اطلق عليها ما يسمي بـ'' الوقوع في فوبيا الكوني ''، اكتفاء معظم الروائيين بعمل واحد والتحول عن الكتابة الروائية، عدم الاعتراف بالمنجز الروائي السابق له ، والبدء باستمرار من نقطة الصفر، قيام معظم الروائيين بتكرار مضامينهم دون التوسع في النماذج والأفكار، والوقوع في مأزق التيمة وإهمال البناء الشكلي.
لماذا ندرس الشخصية المثقفة من خلال العمل الروائي ؟
ويطرح الباحث املودة هذا السؤال ويجيبنا عليه من خلال توضيحه لاهم العوامل او الاسباب التى تدفعنا الى دراسة الشخصية المثقفة فى العمل الروائي فهو يعتبر ان انها نقطة يلتقى فيها الكاتب مع القارئ و تصبح هذه النقطة فسحة ليمرر الكاتب من خلالها أفكاره و ايدلوجيته الى الاخر وكثيراً ما يتخذها القارئ كنقطة يرتكز عليها العمل الروائي، وأعتقد ان شخصية المثقف تكتسب بعد خاصاً ليس فى العمل الروائي الليبي فقط بل والعربي ايضاً ، فالمثقف العربي الذي بدأ يفقد الصدارة والقدرة على التعبير عن مكنونه فى الواقع لم يجد الا فى الكتابة الروائية المتخيلة طريقة لتمرير أفكار والتعبير عنها ليتماس مع السلطة و الواقع الاجتماعي فغالياً ما تدرس الاعمال الروائية كاصدق ما يعبر عن مرحلة زمنية معينة ولذلك وجدنا ان سماح ادريس عندما ارد ان يدرس المرحلة الناصرية اتجه الى الاعمال الروائية التى ارخت هذه المرحلة او ارخت موقف عبد الناصر من المثقفين او موقف المثقفين منه و لطالما اجمع تقريبا النقد على المستوى العربي بان شخصية المثقف فى العمل الروائي تتعدي بعدها المتخيل الى دلالات اخري متعددة لا بد التوقف عندها و اكتشافها.
متى تكونت الهوية الثقافية عند المثقف الليبي؟
يقول الباحث : يمكن أن نقول بانه مع قيام قيادة ليبيا تكونتما يسمي بالخصوصة المحلية او الثقافية الليبية و تطور الامر مع بديات القرن العشرين فسمعنا باصوات تنادي بقيام الامة الليبية على غرار قيام الامة التونسية والمصرية وهو المشروع الذي لم يكتب له الكمال بسبب وجود العثمانين ثم دخول الاحتلال الذي لم تكن ليبيا مستعده له و مع انتهاء الانتداب ومغادرة ايطاليا بدأ ما يسمى بعودة المهاجرين ونستطيع ان نقول بان هذه هى الخطوة التى بدات معها الحياة الثقافية فى ليبيا وبدات تظهر الاندية و المجالات
الادبية والمجالس الادبية والاحزاب السياسية وتكونت الصحوة الى البحث عن كيان ثقافي جديد ، ومع ظهور النفط ظهرت ما يسمي بالطبقة المتوسطة والتى تكونت من العسكريين والمعلمين والاساتذة ومنهم ولدت الرواية والمثقف الليبي فيما بعد وافرز ظهوره الى التجول الكبير وهو ثورة الـ69 فهي ثورة مثقفين فى الواقع فالقائد كان على اتصال مع جميع هولاء المثقفين ولكن بعد قيام الثور لم يكن على وفاق معهم جميعهم فى البداية انضموا كل المثقفين تحت مظلة الثورة ولكن فى مرحلة لاحقة بدات التوجهات تختلف وتوج هذا الحراك بما يسمى بالثورة الثقافية التى اثرت فى علاقة المثقف بالسلطة وبدأ المثقف فى طرح نفسه مستقلاً ، وعلى صعيد الرواية حدث تغير كبير فمن كان يكتب قبل الثورة توقف عن الكتابة بعد الثورة وهذا السبب قد يرجع الى رغبة المثقف فى معرفة ماهية وتواجهات هذه الثورة اولا ثم يعود للكتابة فيما بعد مثل ما حد مع " نجيب محفوظ" ، ولكن هذا التوقف صاحبه أيضاً ظهور رواد جدد جاءوا استجابة لما تطرحه القيادة فى ذلك الوقت والذين عملوا على تأكيد الماضى البطولى للجهاد الليبي فخرج ما يسمي برواية النظال الوطنى بقوة فى مرحلة السبعينيات ، بعد ذلك يمكن ان نقول ان المثقف ظهر فى اول عمل روائي يمكن ان نقول انه قدم المثقف بالفعل وهي رواية " جدار فى واميض الليل " لاحمد نصر فى أواخر 69 و " راية فى المنفى " لرجب ابو دبوس كرد فعل على النكسة ورواية " القرية لاحمد نصر التى تناول فيها التحولات الاشتراكية فى البلاد كما ذكر سابقاً وثلاثية الفقيه بالتاكيد وراوية ليالى نجمة ورابعة الخسوف لابراهيم الكوني وفى نهاية التسعنيات توقف تمثيلات المثقف فى الرواية الليبية.
ماهية مفهوم المثقف
يقول الباحث محمود املودة لا يوجد مرجعية لكلمة مثقف ويختلط عند الناس كلمة المثقف مع المفكر وهذا خطأ شائع فالمثقف يشتغل على الرآي العام الذي يشتبك مع السطلة لفرض نظريات معينة ذاكراً بعض الامثلة للشخصيات عربية من التاريخ وقفت ضد السلطة فى سبيل فرض مبدأ معين ، ومع بداية السبعنيات ظهر مثقفين مناصرين للسلطة و موالين لها ، وهناك من عرف المثقف على انه الشخص الذي يحمل نظرته الخاصة حول الانسان والمجتمع
ويقفون موقف احتجاج امام تعرض الافراد للظلم ، وهناك من عرفه على انه رجل يهتم بمشاغل الفكر متعلم والمثقفين يرفضون هذا التعريف ولا ينظرون للمثقف على انه من تلقى تعليم معين واصبح استاذ فى الجامعة ولم يعمل على احداث التغير فى المجتمع ،ومن اهم من تناول مفهوم المثقف وهو " غرامشى الذي قسم المثقف الى المثقف العضوي والمثقف التقليدي، ويعني بالمثقف العضوي هو المثقف الذي يعمل على إنجاح المشروع السياسي والمجتمعي ويحدث تغير و بالمثقف التقليدي هو النمط السائد فى المجتمع فالكهنة ورجال الدين والمعلمين فعندما لا يطرحون اسئلة مغايرة عن ما هو سائد فهم فى نظره غير مثقفين .
تمثيلات المثقف فى الرواية الليبية
تناول الباحث تسعة نصوص من الادب الروائي الليبي كنموذج لتمثيل المثقف فى الاعمال الادبية والتى قسمت المثقف الى ثلاثة اقسام فمنها من طرحت تمثلات منظورة اى كيف ننظر اليه والتمثيل الثانى " فاعلاً " اى كيف يؤدي فاعليته والتمثيل الثالث " منفعل" اى كيف يفقد شروطه ويستجيب الى شروط غيره ، بالنسبة للاول اى منطور اليه فنجد ان من خلال المنظور العائلى فنجد ان غياب الاب تكاد تكون بصور نهائية الا فى رواية احمد نصر اما الام فان منظورها للمثقف يغيب تماماً ولعل نجد تفسير لذلك لما تعانيه من ضغوط سلطة الاب و وجودها لا يلفت النظر فى العمل الروائي ، اما الاخ فنجده بشكل عرضى فى ثلاثية احمد ابراهيم الفقيه وكل الذي نفهمه من نظرته للمثقف لا تتعدي نظرة الاخ الكبير التقليدية الى اخيه الصغير ويرجع البعض غياب الاب والاخ والخال والعم الى مكون داخلى لما تتميز به الشخصية المثقفة من نرجسة وهيمنة على السرد ولا ترغب فى وجود شخصيات رجالة اخرى تتصارع معها و هي تطرح أفكارها ولو كان هناك من المحيط العائلى لخليل الامام بطل ثلاثية الفقيه مثقف فاعل لما كان له ان يتصرف هذه التصرفات او يواجه أفكاره
وهو الامر الذي ادي لظهور الشخصية بشكل نمطى فقطلتقدم فكر الكاتب ولا تقدم الشخصية بطريقة موضوعية ، وعندما نتكلم عن زوجة المثقف نجد ان الزوجة المتعلمة للمثقف لا يعيش معها حياة سعيدة مثل ما حدث لهذا البطل ونجد ان الزوجة الغير متعلمة مثل البطلة فى ليالي نجمة تعيش سعية مع زوجها وهذا مخالف للواقع فى العادة ، وربما خليفة حسين مصطفى الوحيد الذي اتى بلاخت فى رواية ليالى نجمة واستطاع ان يقدم نموذج للعائدون او العائلة المتحررة وهى الفتاة التى تتزوج وتستطيع ان تقابل الرجال ايضا ولا يكون ذلك علاقة اثمة فى نظر هذا الاخ المثقف بل وجعلها تلغى شخصيته بداخل البيت .
وخليل الامام فى الثلاثية مثل شخصية المثقف المريض الذي ينادي بحرية المراة وهو مقتنع بغير ذلك وله العديد من العلاقات النسائية ويسعي خلف " سناء " الى ان يستدرجها الى شقته ويقوم باغتصابها ، بعد ذلك ناتى الى المثقف فاعلا وهو المثقف عندما يحاول ان يتصارع مع السلطة وهنا نجد ان فى جميع الروايات لا نجد مفهوم واضح للسلطة الا فى رواية ليالي نجمة التى قدمت لنا الشويش عبدلله بمنظور مهم للمثقف المثير للشغب ، وهناك من قدم المثقف فاعل الباحث عن ذاته مثل رواية المنفى ، وفى ثلاثية احمد ابراهيم الفقيه بدا لنا المثقف منفعلاً عندما انتهى مشروعه كله فى الرغبة العارمة فى امتلاك " سناء " والسيطرة عليها فكل ما نادي به ومارسه وكل ما طرحه من افكار كبيرة فى محاولة التخلص من حالة الكبت والعطش والضعف كلها لا تساوي لحظة ضعف يقع فيها والتى انتهت باغتصابه لسناء .
لماذا جاءت تمثيلات المثقف فى الرواية الليبية مهزومة
يقول الباحث بان هذه الصور للمثقف جاءت على هذا النمط المهزومة كنتيجة طبعية لازمة المثقف الواقعي فهو ايضا محاصر ولم يستطيع ان يحقق مشاريعه ولم يستطع ان يكون له صوت سياسي او يشكل اضاءة داخل جزء ما معين مطلوب ان يغير فيه الكثير من الاشياء وتحول فى الواقع الى شخصية هروبية تذهب الى سرد هذه الاحداث و منجزها الابداعي لتكتب عن احباطاتها فقط ولم تكن فاعلة بالصورة الكبيرة .
متابعة : نهلة العربي - تصوير : أحمد زبيدة .
| < السابق | التالي > |
|---|




