جذبني هذا الكتاب من النظرة الاولى حاولت ان اروغ رغبتى فى اقتناء كتاب لكاتب لم اقرا له شي من قبل الا انني ضعفت امام العلامة الحمراء على الغلاف التي توضح انها الطبعة السادسة عشر ، توقفت امامه وتأملت الغلاف الجميل والاسم الغير مألوف " تاكسي ..حواديت المشاوير " للكاتب خالد الخميسي ، صدرت الطبعة الاولى سنة 2006 والطبعة الثانية الى السابعة فى العام 2007 و الطبعة الثامنة الى الثالثة عشر فى 2008 أما الطبعة الرابعة عشر 2009 وفى مجرد شهور معدود وبعد نفاذ الكتاب من الاسواق والاقبال المتزايد عليه تم اصدار طبعتيين اخرها هذه الطبعة التى اقدمها لكم اليوم ، حاولت معرفة المزيد عن هذا الكاتب فعرفت القليل فقط قبل ان اخوض غمار هذا التاكسي بقصصه وحواديته ومشاويره فعرفت ان خالد الخميسى متحصل على ماجستير فى العلوم السياسية من جامعة السوربون اعلامي ومنتج ومخرج وكاتب سيناريو له العديد من الدراسات الاجتماعية والسياسية ويكتب حاليا فى عدة صحف بمصر ، أنتشيت بهذه المعلومات و اشتريت الكتاب على أمل أن لا تخونني المقدمات الوردية التى يضعها الكتاب على الاغلفة فقط لجذب ذوى القلوب الضعيفة امام اى كتاب جديد مثلي ، فتحت الصفحات الاخيرة فى طريق العودة لم استطع انتظار وصولى الى المنزل لانفرد بهذا الكتاب فقررت ان اختلس النظر اليه " فى المواصلات العامة " ربما اعرف عنه المزيد .
الصفحة الاخيرة مخصصة لما قال وقيل وقالوا عن الكتاب ، الاول الدكتور عبدالوهاب المسيري أبتسمت بمجرد قراءة الاسم وعرفت انى وفقت فى اختيار الكتاب ، المسيري أعتبر هذا الكتاب عبارة عن دراسة – المونولوج الدرامي يصعب تصنيفه اذ ينتمي الى نوع ادبي قديم جديد ، ويقدم الخميسى شخصيات انسانية مركبة ويكشف الكثير من ابعادها ، اما الكاتب الثانى الذي قال كلمته عن الكتاب فهو الدكتور جلال امين والذي وصف الكاتب بانه كاتب مبدع يرسم صورة بالغة الصدق لحالة المجتمع المصري اليوم كما تراها عيون الشريخة اجتماعية مهمة وذكية وهي سائقو التاكسيات فى مصر .
يهدي الخميسي كتاب " تاكسي ..حواديت المشاوير " الى الحياة التي تسكن كلمات البسطاء من الناس عسي ان تبتلع العدم الذي يسكننا منذ سنوات ، فكرة الكتاب ذكية جداً وجديدة وهي تتلخص فى حواديت المشاوير التى يقوم بها الكاتب بداخل شوارع وازقة مدينة القاهرة وهو ينتقل من سيارة اجرة الى اخري و والخميسي من هواة الحديث الى سائقى سيارات الاجرة من خلال هذا الحديث الذي يدور بينه وبين السائق ياتي الينا بقصة جديدة من قلب الواقع ومن قلب المعاناة التى يعيشها هذه الطبقة الواسعة من الفقراء بمصر ، الكتاب يضم قصص حدثت ما بين 2005 و 2006 ولم يذكرها كلها فى الكتاب بالطبع فهناك بعض القصص على حد قوله نشرها كفيل بان يزج به فى السجن بتهمة القذف والسب ، نقل الخميسي هذه الاحاديث باسلوب غاية فى البراعة و بلغة سهلة الفهم على الجميع لانها لغة الشارع المصري وهي لغة صادقة وحية وصادمة تجعلك فى قلب الحدث لانها ماتزال مشحونة بقوة المعاني والدلالات التى لم تختفى او تنمق وتزخرف لتكون بمستوى لغة الصالون الادبي او الملتقى الثقافي فى اى من الكتب الادبية ، اختيار الخميسي لهذه الشريحة من الناس كان موفق جداً فبحكم تواجدهم فى الشارع طوال اليوم وتعاملهم المباشر بمختلف طبقات المجتمع تجد عندهم الكثير من المادة الحية التى يمكن ان تغذي الكثير من الكتب وليس كتاباً واحداً ويصرح الكاتب انه يجد كثيرا من اراء سائقى التاكسي السياسية عمقاً اكثر مما يجده لدي العديد من المحللين السياسين الذي يملئون الدنيا صخباً .
الكتاب المكون من 222 صفحة قدم عمل أدبي لا يمل منه لانه يقفز بك من قصة الى اخري على مسرح متنقل الا وهو سيارة الاجرة التى تبقي تدور معها من شارع الى اخر و تجعلك تذوب فى اعماق البشر ومشاكلهم واهتماماتهم وحياتهم واحلامهم ومخاوفهم فتتعرى امامك النفس البشرية بكل ما فيها من خير وشر ، عالم بأسره منفتح ومن دون قيود يروي فيه البطل – سائق التاكسي- احباطاته وتفاصيل من حياته من دون تحفظ او خوف او تردد فهو يعتبر الامر مجرد دردشة و " فشة خلق " لا اكثر لهذا الراكب الذي يمكن لا تجمعه به الصدفة مرة اخري أما هذا الراكب- الكاتب- فيراقب ويجمع ويحفظ هذه القصص والاحاديث لينقلها لنا بكل امانة وحرافية ، وبخصوص هذه النقط تسألت عن مدي مقدرة الخميسي على تذكر جميع تفاصيل هذه الحوارت التى تدور بينه وبين سائقى سيارات الاجرة فهو على الارجح لم يكن يحمل معه جهاز تسجيل والا لكتشف السائق الامر وما تحدث امام عن شي .. هذا ما دفعنى الى طرح هذا السؤال وفى نهاية الامر اكتشفت انها حكايات مؤلفة من الواقع لا غير .
استطاع الخميسي بهذه الفكرة البسيطة ان يقدم كتاب يطرح اراء سياسية جريئة فى ثوب غاية فى البراءة يمرر من خلاله كل ما اراد ان يقول ويحكي عنه بل واكثر من ذلك فقدم رصد حي ودقيق لاحوال المجتمع والراي العام المصري فى وقت واحد بداية من رغيف الخبز والدروس الخصوصية وقصص السادات وعبدالناصر والتغيرات التى حدثت فى البلاد منذ ذلك الوقت الى ارتفاع الاسعار وسرقات شركات الاتصالات وقسوة رجال الشرطة وسطوة الحركات الاسلامية ومحاولتها النجاح فى النتخابات واحاديث كرة القدم وملابس الفتيات وغياب الدين والامان .
| < السابق | التالي > |
|---|




