من النادر أن يستفزني كتاب حد الكتابة عنه ، نعم كتبت الكثير من القراءات عن الاصدرات الجديدة و هذا بالتالي ينفي جملتي الأولي ، ولكن دعني أخبرك بالحقيقة كاملة ، نعم أكتب عن كتب الآخرين واعتبر هذا مجرد عمل روتيني علىَّ أن أقوم به لا أكثر، اقرأ الكتب وأثرثر عنها من وجهة نظري المتواضعة بالطريقة الحسية الانطباعية بعيداً عن الطريقة الأكاديمية المتخصصة فأنا لم أدرس النقد ولست ناقدة من أي نوع ، أقرا الكتاب وأحياناً أتثاءب من منذ منتصفه وحتى نهايته فأغلقه لأكتب عنه بعدها بعشرة أيام - بكل صدق – و هذا ما يعزيني فلم أجعل يوماً أي من هذه الكتب تبدو أجمل مما هي عليه بدافع تقديم دعاية مجانية لكاتبها ، فدائماً ما كنت أعتقد أن الأشياء الفاخرة لا تحتاج إلى من يثرثر عن مميزاتها .. بل هي وحدها من تتحدث عن نفسها .
إذا الآن أصبحنا نتفق أن الأمر مجرد رأي شخصي قد تتفق معي فيه أو نختلف، أنا فقط أعلن عن مولود جديد أعطيك بعض التفاصيل واصفة بعضه من خلال زاوية رؤيتي الشخصية و مدي استيعابي للأمور، ولك حرية الاختيار في البحث عنه لمعرفة المزيد و الإطلاع عليه بنفسك من الجلدة إلى الجلدة لو كنت مهتم بفكرته الأساسية بالطبع، أو مجرد المرور لمعرفة جديد عالم الأدب لا أكثر فإن جلست في صالون المثقفين في الفندق الكبير بعد الظهر تجد لك مخزون جيد من أسماء الكتب لتتحدث عنها .. " حسناً دعني إذا أغششك بعض التفاصيل لترويها لأصدقائك المثقفين بعد " طاسه الشاي بالنعناع " لتبدو مثقفاً مثلهم ...
اليوم سنثرثر عن مولود لم يولد بعد " وبرغم ذلك ما الذي يمنعنا أن نتحدث عنه ؟!! ، فبعض المواليد يحدثون الكثير من الجلبة ويغيرون الأشياء من حولنا من قبل أن نسمع شهقتهم الأولي ، " مخطوط " لرواية تشارك حاليا في مسابقة الإبداع الشبابي التابعة لمجلس الثقافة وإلي الآن لا نعرف ما هو مصيرها فلم تعلن النتائج بعد ومع هذا أتوقع لها الأفضل بكل تأكيد وربما يكون كلامي عنها الآن منافي للقوانين - ولكنه نص متمرد لا قوانين فيه – وهذا ما دفعني إلى التمرد أيضا ً والتكلم عنه رغم أنف القوانين، دعني أخبرك أنني حصلت على المخطوط بلعبة سحرية واطلعت عليه بانبهار كامل ، بدأت ولم أستطع التوقف عن القراءة إلا وقد ظهرت كلمة النهاية وأثناء ذلك حاولت أن أتكهن ملامح لجنة التحكيم وهي تتطلع على التابو تلو الآخر، وتساءلت " هل سيكون لأي منهم الجرأة الكافية لإعطاء هذا الكلام فرصة الظهور للنور ؟ هل يمكن أن نري يوماً " مطبوعة ليبية بهذا الصدق والتمرد وحرية نقد للوقائع ؟ " وحين بدت الإجابة واضحة " أصبت بالإحباط وبرغم ذلك أتمنى أن يدهشني مجلس الثقافة و يقول لي " ظلمتينى " .
" رواية كاشان " لأحمد البخاري الصحفي وكاتب المقالات الشبابية الساخرة صاحب الأحاديث الميتافيزيقية والأفكار السريالية والكثير من التمرد والتطلع نحو مستقبل أنا شخصيا لا اعتقد انه سيكون مستقبلنا ، هذه التركيبة دفعتني بفضول كبير لأعرف " كيف يمكن أن تنتج سرد روائي " ؟ ، راهنت أن يقدم " رواية " مجنونة بلا شك تبدأ من حيث تنتهي أو في منتصفها تتوقف بلا نهاية ليترك لنا ثلاث صفحات فارغة في نهايتها ليكتب كل منا نهايته المفضلة وما كنت لاندهش لو حدث ذلك ، ولكنه فضل أن يدهشني على طريقته لا على توقعاتي عنه وقدم نص مدهش بجرأته و صدقه في التعبير عن شريحة كبيرة من الشباب الليبي ولمس الكثير من المواضيع التي تشغله وتكون مفردات حياته العصرية " أو تلك التي نظنها عصرية " ، مزيج من الواقعية والرومانسية السوداوية و قليل من الفلسفة.
تبدأ الرواية بجملة " حتى هذه اللحظة .. أنا لم أفجر أبراج ذات العماد بعد " فتتساءل ما الذي يمكن أن يدفع بشخص ما للتفكير في تفجير أبراج ذات العماد وهذه البدايات التي تأتى ومعها مجموعة من الأسئلة هي الأكثر توفيق وتشويق ، و تتعدد الأصوات السردية فنسمع ضمير كل من الشخصيات يسرد قصته بنفسه وهذا في حد ذاته يقدم اختلاف بين ما هو مطروح على الساحة الآن من أعمال الصوت السردي الأوحد حيث تجد شخصية ما وتكون البطل في العادة أو السارد الرئيسي يقوم هو بسرد القصة من البداية حتى النهاية فنرى القصة من وجهة نظره فقط ، أما الأمر هنا أشبه بالتعرف على الكثير من الشخصيات تروى جانبها من القصة و رابط وحيد يجمع بينهم هو معرفتهم جميعاً بالشخصية الرئيسية أو التي أراد أحمد البخاري جعلها الشخصية الرئيسية وهى " ندى " صاحبة مدونة أمواج التي تسعي من خلالها لمحاربة الاعتقادات البالية في المجتمع وفى رحلتها للسعي نحو هذا الهدف تتخبط وتتعثر وتأخذها التيارات الفكرية حتى تصل في نهاية الأمر لفكرة " التدمير " ، وقلت انه ظن أنها الشخصية الرئيسية وأنا كقارئة بصراحة وجدت أنها عامل ربط ممتاز بين الشخصيات لا أكثر أما الشخصية الرئيسية كانت شخصية " أحمد " صاحب نظرية " التدمير " ليعود العالم إلى نقطة الصفر بلا ذاكرة ولا تاريخ ولا حكومات و ليبدأ من جديد ، فتلك الشخصية وبرغم أنها لم تظهر إلا بعد منتصف الرواية تقريباً إلا انه يمكن القول أن كل الأحداث التي كانت قبل الظهور كانت مجرد إعداد لهذا الظهور فهو المتحكم في عقول باقي الشخصيات وهو الذي دفع لموت بعضهم وجنون بعضهم ودخولهم لمستشفى للأمراض العقلية.
تحمل رواية " كاشان" فكرة مجنونة ليست ببعيدة الحدوث تنتج من تشابك عوامل كثيرة من الواقع تبدأ من مشاكل طلاب الجامعات إلى مجتمع المدونين الليبيين وما يطرحونه من أفكار ثم التوسع إلى دنيا التدوين العربية مع ذكر بعض المدونات الحقيقة التي أثارت الكثير من الجدل سواء بأفكارها الايجابية أو بأفكارها المتطرفة، و الجدال بين التيار الإسلامي والتيار الليبرالي وكل ما يتبع ذلك من تخبط في حياة أي منا في رحلة بحثه عن ذاته عن مبادئه و رحلة بحثه عن الحقيقة وصولا إلى الإيمان ، نظرة المجتمع الشرقي والليبي للمرأة ، أزمة الصحافة والفساد ، وجود الجماعات الإرهابية و صراع طبقة الفقراء مع الحياة، المخدرات الخمر و رحلة عبر أسرار سوق اللحم في ابو سليم .
كل هذه العوامل تدفع بجموعة من الأشخاص لصنع مشروع " التدمير الخلاق" الذي يتخذ من التدمير وسيلة لخلاص العالم فيتزايد أنصار هذا المشروع وتبدأ الفكرة بالبداية بليبيا ثم الانطلاق لنطاق عربي ثم عالمي ولتعلن المجموعة عن وجودها وبداية المشروع وطرح فكره تدمر [ أبراج ذات العماد ـ برج الفاتح ـ فندق كورينتيا ـ فندق تريبولي ] .
الرواية تطرقت تقريبا إلى أهم المواضيع التي تشغل أى من أفكارنا ولمست مسار حياتنا وتقاطعت معه بشكل أو بآخر ، استعمل البخاري اللغة العامية في لغة الحوار بين الأشخاص رغبة منه في ربطها بأكبر قدر بالبيئة الليبية وهذا ما لم أحبه في الرواية في بداية الأمر حتى ظهور شخصية " مراد " فشعرت بعد ظهوره أن ما كان ليكون هذا العمل بهذا القدر من الامتياز إلا باستعماله للغة العامية للحوار واعتقد أن شخصية "مراد" من أكثر الشخصيات التي تطلبت من الكاتب الكثير من الجهد لتجسيدها على الورق والتحدث على لسانها والتفكير بمنطقها واعترف ان شخصية " مراد " تمثل شريحة كبيرة من شبابنا وهى أكثر الشخصيات التي أكره حتى تواجدي معها في مكان واحد والغريب في الأمر أنها على الورق كانت أفضل شخصية في الرواية من وجهة نظري .
تعمدت عدم سرد الأحداث أو طرح الفكرة بتسلسل حتى لا يقولوا " حرقت نهلة الرواية من قبل ما تطلع " وربما أرجع وأثرثر عنها من جديد بعد طبعها بإذن الله ، نتمنى للبخاري التوفيق في المسابقة وبعيداً عن أجواء المسابقات ومجالس الثقافة نقول باختصار انه قدم عمل روائي ممتاز كعمل أول يعلن عن وجود قلم روائي جديد .
نهلة العربي ..
| < السابق | التالي > |
|---|




