تجذبني الكتب التي تشعر انها اقرب ما يكون الى المراجع الانسانية ، اي تلك التى تضم سيرة حياة مختصرة لمجموعة من الاشخاص فى فترة زمنية ما أستطاعوا فيها من ترك بصمة أو أحداث تغير يستحق أن يعرفه كل من سيأتى من بعدهم و يتمتعوا بانتاج جهود هولاء الاشخاص ، في كتاب اليوم تعرف على مجموعة من الشخصيات التى كان لها دور فى صنع الثقافة أو دعمها وإثرائها والعامل الذي يربط بينهم هذه المرة هو المكان " مدينة بنغازي " حيث قضى كل منهم جزء من حياته هناك بدءاً من زمن الادارة الريطانية وحتى فترة متقدمة من الزمن ، و أختار الكاتب " سالم الكبتي " لهذا الكتاب عنوان " أعلام عرب فى بنغازي " فجاء الكتاب كله بمثابة عربون شكر لهذه الشخصيات التى وبرغم ما كان يحيط بها من ظروف صعبة غير مؤهلة لخلق اي نوع من الثقافة فى ظل ما كانت تمر به البلاد وتقاسي منه بعد نهاية الحرب العالمية الثانية على مستوى التعليم والحياة الاجتماعية وحتى السياسية استطاع أولئك الاعلام ان يأثروا فى كل تلك النواحي بداية من التعليم والقاء المحاضرات وأحياء الانشطة الثقافية والكتابة الصحفية وحتى تقديم البرامج الاذاعية ، فلكل منهم مسيرة بدأها فى موطنه وحقق بالفعل مكانة متميزة فى حقل الثقافة فحملتهم رحلاتهم الينا ليحققوا المزيد من الانجازات هنا ايضاً ، فشهدت البلاد توافد الكثير من مشاهير الشعر و الكتابة والمفكرين من مختلف البلدان العربية وقدم كل منهم شي لاحياء المسيرة الثقافية والفنية فى ليبيا .
يبدأ " الكبتي " بـ" محمد الحشائشي " الرحالة التونسي الذي قدم حوالى اربعة عشر مؤلفاً منهم اثنين فيما يخص ليبيا وهما " جلاء الكرب عن طرابلس الغرب " و " الرحلة الصحراوية عبر اراضي طرابلس وبلاد الطوارق " ، وينتهي بـ " سمير عطا الله " الصحفى اللبنانى الذي كان يعمل كمحرر بصحيفة " الحقيقة " وفيما بينهما ثلاثة وثلاثون شخصية اخري مقدماً سيرة ذاتية لكل منهم تضمن أهم اعمالهم الادبية و وصف للدور الذي لعبه كل منهم فى مسيرة الثقافة فى بنغازي مقدما بعض الاستشهادات من كتاب او اشخاص اخرين عايشوهم وتعرفوا اليهم عن قرب وبعض المقتطفات من اعمال لهم او يومياتهم يتحدثون فيها عن ملاحظاتهم خلال تواجدهم فى ليبيا ، كتب " سالم الكبتي " هذا الكتاب بأسلوب سردي مشوق بعيد كل البعد عن اسلوب كتب التاريخ واقرب ما يكون الى السرد القصصي واعتقد ان هذا العامل هو سبب نجاح هذا العمل ، ولابد أن الامر أستغرق منه وقت طويل للاستعداد والتحضير وجمع المعلومات والبحث فى الكتب والوثائق وتتبع خطوات كل من هولاء ليقدم هذا الكتاب فى مئة وتسعة وسبعون صفحة أختتمها بمعرض للصور والوثائق التى استطاع تجميعها فى رحلته لتقفي اثر اولئك الاعلام وتضمن هذا المعرض صور شخصية لهولاء الشخصيات او صور لبعض الامسيات الشعرية التى اقيمت لهم او صور تذكرية لهم و مجموعة من صور لاغلافة الكتب التى كتبوها عن ليبيا وبعض الوثائق بخط اليد .
نشر " سالم الكبتي " بعض أجزاء هذا الكتاب فيما سبق فى بعض الصحف الليبية والعربية و اذيعت فصوله فى برنامج اذاعي ببنغازي وها هو يجمعها كلها فى كتاب واحد من اصدرات دار الساقية ، طرح الكبتى العديد من الاسماء نذكر منها " مصطفي حلمي " باحث قدم العديد من الاعمال التى تدور حول التصوف فى الاسلام والكتابات الفلسفية وعمل كاستاذ جامعي ببنغازي الى جانب إلقائه بعض المحاضرات العامة ، و " مصطفى منذور" استاذ النقد الادبي فى كلية الآداب بالجامعة الليبية وخلال وجوده فى بنغازى اهتم بالمشاركة فى انشطة الكلية الثقافية بالنقد والتحليل لبعض الكتاب و الشعراء منهم " على الفزاني" ، و القى الضوء على العديد من الشعراء الذي قدموا الامسيات الشعرية فى بنغازي او كان لهم اثر على الكتابة الشعرية فى ليبيا وتطورها منهم " نزار قباني " و " عادل عثمان" شاعر فلسطيني و " تاج السركنه" شاعر سوداني و " يحي توفيق " شاعر سعودي وغيرهم ، كما خصص مكان " للمصريين الثلاثة " الذين استطاعوا الفرار من السلطات المصرية بعد القاء القبض على مجموعة من الاخوان المسلمين فى قضية " الاوكار " و تمكنوا من الوصول الى بنغازي و طلبهم اللجوء الى الامير ادريس وكل ما صاحب وجودهم من احاديث وصخب وتحاولوا لقضية الساعة فى حين كانت بنغازي تعانى من فراغ ثقافى وسياسي .
وبالطبع لم يأتى سالم الكبتي على ذكر كل من مروا وتركوا بصمة فى حياتنا الثقافية فلا يتسع كتاب واحد لذكر كل هولاء و سرد اعمالهم واختتم مقدمة كتابه هذا بما يشبه الوعد بتحول الفكرة الى سلسلة من الكتب التى سيقدم من خلالها المزيد من الاعلام العرب خلال أجزاء أخري باذن الله .
| < السابق | التالي > |
|---|




