الصراع العقائدي فى القرون المسيحية الاولي هو موضوع و زمن رواية عزازيل ليوسف زيدان وقد حظيت هذه الرواية باهتمام اعلامي 2008\2009 تم طبعها اربعة عشرة طبعة وهو حدث في حد ذاته جدير بالالتفات كون ذلك ياتى فى ظروف صعبة يشهد عليها انخفاض مستوي التوزيع خاصة كتب الابداع الادبي ويساعد على ذلك انخفاض القوي الشرائية للقراء والارتفاع الكبير فى اسعار الكتب وكذلك ظهور بدائل ووسائط اخري مثل شبكة المعلومات او التلفزيون .
ومن هان فأن اعادة طبع رواية بهذا الكم فى فترة عامين امر مثير للتساؤلات لكونه تمكن من جذب القارئ من أجواء الوسائط الباردة الى دفء العلاقة الورقية بين القارئ و الكتاب ، فى خضم التحولات وقبل ان يتسيد تصور فكري ما سواء كان دينياً او علمانيا ً فان ذلك يحتاج الى قرون قبل ان يقنع متصوروه بانه قد صار نقياً وهو نقاء ليس مطابقاً لاصل معياري ما بقدر ما هو نقي مما كان سائداً قبله او هكذا يتوهمون .
فالقديم او ما هو سائد فى عصر ما يكون عادة مبنياً على ضرورات اجتماعية او اقتصادية و سياسية ضاقت علاقته امام بروز قوي ومصالح جديدة تبدأ فى التعبير عن نفسها فيشكل ظهورها اشكالا ينئ بانفجار الصراع حيث يجلب في الافق الممارسات القمعية من طرف المتسيد الى أن تنقلب الاحوال فتبدأ مرحلة تصفيه الحسابات .
وهي سمة حقب التحولات – خاصة الكبري منها – مما يطرح السؤال المعرفي حول مدي نقاء الجديد من تلوثه بالقديم ، فالقديم لم يستنفذ مصالحه فى الواقع بعد انما يتسنفذ ممثليه وان كانت علاقة انتاج لم تتغير وحتى فى حالة تغير تلك العلاقات الانتاجية فإن القضاء على القديم لا يكون شاملاً ، و هو مايبرر الصيغ التلاؤمية بجوار نقاط الاختلال وربما التصادمية فى الفكر والمعتقد الجديد ويرجع ذلك الى النتائج الصراعية التي تتحكم الى ميزان القوي الذي يعكس بدوره على المستوي الفكري نقاط التوافق او التحوير الذي يشكل بذرة قابلة للانبثاق مرة اخري اذا ما فشل الجديد فى تغيير الاسس المادية فى البناءات الاقتصادية والاجتماعية فى المجتمع.
وعلى خلفية هذا المنوال تتحرك احداث رواية عزازيل مسجلة فترة من فترات التحولات الكبري فى المنطقة التى تعرف بالعالم القديم فى تلك الحقبة كان يشمل حوض البحر الابيض المتوسط اضافة الى العراق وفارس ، ويدخلنا الكاتب الى عمله الرائع عبر عتبة العنوان الذي اراد له ان يكون النداهة من باب الغرائبية فـ " عزازيل " لغير المتداول من شأنه ان يطرح علامة استفهام على عتبة النص كان اختياراً موفقاً من الناحية البنائية للرواية ، فـعزازيل يمثل احد اهم المستويات على الجانب الذاتي للراوي فهو الطرف المحاور فى المنولوج وهو طرف باطني وخفي يشير الى المكبوت ويمثل علامة اللاوعي ذلك المتصل بالذات عبر إملاءاته الالحاحية علامة علي الانفصام جراء تكون الذات فى اوضاع خارجية عنيفة شكلت إكراها رغم الشخصية على ان تظهر عكس ما تضمر فاستعارت قناع لمواجهة القمع على مستوي الواقع الفني فكان أن نقلت ذلك القمع الى المستوي الذاتى عن طريق آلية الكبت والقناع فوقعت شخصية الراوي فى طاحونة هذا الاذدواج الذي هو فى الحقيقة ثمرة وقائع التحولات في حقبة زمانية شهدتها منطقتنا التى كانت فى قلب او هي قلب العالم القديم والتى قدر لها ان تكون معقل الفكر الميتافزيقي منذ اساطير الخلق حتى اكتمال الاديان والنظمنة الفقيه للمذهبية الدينية تلك التى مارست نزعاتها التخندقية فشكلت إرثاً يصعب تجاوزه كان دوماً قادراً على التسلل والتحور من دين الى آخر .
تحرك وتديره مفاعلاته مصالح خفيه متشبثة بمواقعها السياسية والاقتصادية شاملا ذلك كلا الجانبين السائد والصاعد فى حاله جدل منضد وحاولت الرواية ان تتموقع استراتيجياً بسرد يعززه منولوج الداخل – سرد الاحداث و وقائع فى حالة صراع عنيف ترويها الشخصية مقموعة تستقبل الاحداث على ارضية سيكولوجية منشطرة هذا الامشطار المجبور بفعل القناع " ثوب الراهب" ولكنه جبر الانشطار لا يلتئم ـ إنه بطاقة مرور ثقيلة وغير محتملة انه قناع وحماية وعائق يحيل اى سلوك شخصي عادي الى خرق لنظام وهدم صورة وتشويه سيكلوجي على مستوي الذات.
جعل من عزازيل الشيطان انقلاباً على المستوي المعرفي يسكن على تخوم الوعي واللاوعي قائماً عند نقاط التقاطع مفجراً تناقضاتها خالقاً بذلك أزمة الراوي وقانون منطقة الداخلى وهو وان كان كامناً الا انه يلعب دوراً رئيساً فى جعل الراوي غير مستقر ودائم القلق بفعل التعارض بين ما هو ظاهر وذلك الكامن دائم الحضور في الخلوة.
" الدفينة "
تلعب الدفينة " اوراق البردي المدفونة فى ساحة الدير " على طقس الاسرار على الارجاء والكشف بالتقديم والتأخير محدثة عناصر بنائية تتواشج مع شغف الكشف المعرفي فتدخل القارئ بروية متوترة الى طقوسها ، طقوس تمزج بين تناقضات الذات \ الذوات عند الراوي فكانت رحلته " الراوي " شاهد على حقبه المراجعات المعتقدية حول طبيعة المسيح و موضع العذراء مريم فى المعتقد المسيحي ، والذي تباينت فيه الاراء واحتدمت مسجلة صراعاً دموياً داخلياً فضلاً عن الصراع الرئيسي بين المسيحية والوثنية وبينها وبين الفكر المادي ممثلا فى الفلسفة و الرياضيات التي كانت تدرس في الاسكندارية والتي روحت بعنف دموي أيضاً .
فالتنافرات على المستوي الذهني والنفسي عند الراهب " هيبا " واظهار عكس ما يضمر كان آلية الكشف عما يموج فى بحر الصراع الهائج كاشفاً أيضاً عن كيف يدخل الفكر بالعقيدة فيكسبه حمولة مقدسة تبرر التعصب المبرر بدوره للعنف انتماء ليس للعقيدة وانما للاختلاف المنبثق عن المصالح والذي يسمح بتمرير الافكلر الى المعتقد لتحل محله وتتلبسه فنري التثليث الممتد من المعتقد المصري القديم فيما تطرحه كنيسة الاسكندرية ، كما نري التوحيد وتنزيه الاله يطرحه الاساقفة و الرهبان كما نري ايضاً ما تطرحه الفلسفة والمنطق من اسئلة محرجة على المعتقدات والفكر الديني ، كل ذلك فى فضاء حوض البحر المتوسط فهي منطقة التفاعلات وبوتقة الانصهار الحضاري الثقافي فى العالم القديم قبل ان تتمدد الغرب والشرق ان رواية يوسف زيدان تضع القارئ فى واحدة من ازمنة الولادات والتحولات الكبري وكلن ليس هناك وليد بلا أصل .
هذا الاصل الذي كان مسيطراً على مناخ عقائدي قبل المسيحية شمل المنطقة من بلاد فارس حتى مصر القديمة مروراً ببلاد الرافدين وساحل الشام حيث الاله المقتول مثري فى فارس وتموز فى الرافدين وبعل فى ساحل الشام واوزير فى مصر جميعهم آلهة مقتولة وهو المعتقد الذي تمكن من الولوج مخترقاً الازمنة حتى يومنا هذا فلا جديد يستطيع ان يدعي النقاء من براثن القديم .
فيكشف النص الروائي عزازيل عن الضرورتات الاقتصادية والسياسية التى ارغمت الامبراطور الروماني على الخضوع والاستسلام لافكار كنيسة الاسكندرية التى تري العذراء مريم أم الاله المجسد فى وليدها وذلك خوفاً من ان تقضى الاضطرابات الى ضياع محصول القمح والعنب التى تصنع منه الخمور والتى كانت تحصل عليه الامبراطورية الرومانية من مصر وهكذا تجد المعتقدات القديمة طريقها عبر الجديد لتسكن فى نواة عقيدته وتتربع بينما من قالوا بواحدانية الاله وتنزيهه من ان يتجسد بشراً او يولد من بشر يعاقبون بالطرد والحرمان واحياناً اخري بالتصفية الجسدية وهكذا تربنا الرواية كيف تسلك الافكار طريقها عبر المعتقدات .
هنا يتضح حدي المعرفة والسلطة التى تملك إمكانية التحقق والتسييد والابعاد والقمع وهى قضية مازالت قائمة لم يتصد لتحليلها سوي قليل من المفكرين لعل أبرزهم ميشيل فوكو وجاك دريدا وجيل دولوز من المعاصرين ولكن فى الحقيقة ان الفكر وحده لا يكفي وليس مثل الادب من هو قادر على الولوج الى اساسات البناءات الراسخة وهدمها فى الوعي وهذا يجرنا الى طرح السؤال مرة اخري عن لماذا هذا الاقبال الغير عادي على الرواية ؟
هل لانها تفتح بابا موصداً ظل مسكوتاً عنه لقرون ؟
ام ان استحضار ماكبت وقمع يحرك شغاف الجوع المعرفى ؟ ان كل هذا بلاشك يرتبط من هذه الناحية بالسلطة فى اى عصر فهي التى تمارس المنع والتحقيق والادماج والنبذ فالرواية تتخذ من حقبة زمنية لا نعرف عنها سوي القليل النادر زمناً موضوعاً لها فى محاولة لردم الهوة بين حلقات التاريخ ورسالة تضئ لنا كيف يصنع التاريخ وكيف ينتقم لنفسه فيروي البذرة الكامنة حتي تنفلق كما الفجر .
انها رواية فى هذا الاتجاء تحاول ان تضئ بمطلبية الفجوة النهمية للمعرفة ان كان هناك الكثير من الفجوات ليس فقط فى تلك المسكوت عنها وانما تلك التى احدثتها الكتابة ذاتها كتابة توهم بملأ الفراغات لحساب الضرورات السياسية والاجتماعية .
{jfusion_discuss 47142}
| التالي > |
|---|




