Saturday
Jul 31st
الصفحة الرئيسية مقالات قراءات في كتب نصف دائرة ونقطة في العمق

نصف دائرة ونقطة في العمق

البريد الالكتروني طباعة PDF
رواية نونقراءة في كتاب: جمعت " سحر الموجي" في روايتها " نون" كل ما تعشق وما تهتم به بداية من أفضل الحكايات  التي سمعتها من الأساطير الهندية و الفرعونية واقتباسات من بعض قصائد الأدب الانجليزي وصولاً  إلي موسيقها المفضلة والتي هي عبارة عن توليفة هي الأخرى من سيد مكاوي وموسيقى المالاوية وبعض الأغاني الانجليزية، جذبت  سحر أحاسيسها كأنثى من خلال هذه التوليفة من الباطن للخروج نحو العراء ، مستعمل تقنية التداعي لاستحضار عناصر في النفس عن طريق صنع صور أخرى يتسبب ظهورها في تذكر العناصر الأخرى المرتبطة بها لتشير إلى التداخل الذي يحدث حين تنكشف ذات في ذات أخرى ، فتعمدت " سحر" على خلطة روائية جديدة جامعة أطراف خيوط لحكايات أخرى وشخوص وعوالم أخرى في قبضه نصاً واحد.
وتبدأ قرأتك لهذه الرواية على مجرد مجموعة من الأفكار التي تستعد بها الكاتبة لكتابة روايتها لقصة لم تكتمل كل ملامحها  لتسرد قصة تخبرنا من خلالها كيف اختارتها الحكاية لتصبح هي روايتها ، وهنا ندرك أن هناك بعض الحكايات التي نختارها وأخرى تختارنا لنحكي عنها ،و يلمع بداخلها ذلك الضوء وتسمع ذلك الصوت فتقرر أن تجعل من " حتحور" ربه العشق و البهجة و الموسيقى الفرعونية التي كانت تري على أنها حاكمة السماء وتجسيدها في صورتها الإنسانية السارد الرئيسي والأول في الرواية، فتتساءل  هنا كيف يمكن الآلهة فرعونية أن تروى قصة مجموعة من الأصدقاء يعيشون في القرن الواحد والعشرين ما الرابط والدافع في الجمع بين الاثنين ؟.

اختارت سحر هذه الآلهة الحارس الوفي لشخوص الرواية ودافع لهم للمضي في الحياة بزرع الأفكار الايجابية أو الخيرة بداخلهم وأبعادهم عن "ست" وهى آلهة أخرى فرعونية ترمز إلى الشر، في اعتقادي أن اختيارها لآلهة فرعونية كسارد للقصة لم يكن موفق علي الإطلاق لأنه  بني حاجز من اللامصدقية لدي القارئ وسبب ربكة في الأصوات التي اختلطت في بعض المشاهد التي من الصعب التميز فيها بين البطلة  " سارة" وحديثها الداخلي وبين الآلهة الفرعونية  " حتحور".

ومن تلك الخيوط التي جلبتها لقلب الرواية أيضا الريف الانجليزي الذي يتمثل في شخصية " إيزابيلا " جدة البطلة " سارة" لتزيد الأمر تعقيد  وتدفعك للبحث أكثر وأكثر عن ذلك الرابط الخفي بين آلهة فرعونية والريف الانجليزي وموسيقى "المالاوية " وقدر كبير من الأفكار الصوفية وحياة مجموعة من الأشخاص يعيشون في وقتنا الحالي حياة بها نوع من التأثر بالغرب والبعد عن كل القيم الشرقية لتفهم في نهاية المطاف أنها أرادت من هذه التوليفة أن تؤكد فكرة  صوفية  وهي وجود الملاك الحارس الذي يسعي لإنقاذ البشر من الانجراف نحو جانب الشر .

الرواية تتكون من أربعة أجزاء في البدء كان الأبيض الذي لمع كنقطة مضيئة بداخله الم كجمر احمر أوقع النفس في سراديب الأسود فخرجنا منه بتجليات الذهب في نهاية المطاف ،انه نوع من تدرج الأحاسيس التي كانت في يوما ما قبل دخولها عتبة الحياة بيضاء وما أن اقتحمت غمارها أصابها الأحمر وأسقطها في الم ومعاناة وهموم الأسود ليمر برحلة الكشف عن الذات وما أن يجدها يلمع لون إحساسه بالذهب.

مارست سحر أول ألعابها بجدارة فاستدرجت قارئاً محتملاً إلى رمال الحكاية المتحركة  فيصعب عليه الخروج منها إلا بأذن منها فلا يملك إلا الاستمرار في القراءة حتى تنغرس قدماه أكثر ولا يجد نفسه إلا وقد تمكنت منه فيرفع رايته البيضاء مسلماً أمره لغواية الكلمات.

" سارة" بطلة الرواية فتاة من أب مصري وأم انجليزية مطلقة وتبحث عن الحب فتعيشه مع أكثر من رجل واحد على مدار القصة ، مثقفة وأستاذة جامعية تسعى لتطبيق بحث عن الساحرات في القرون الوسطى باحثة عن تلك العلاقة التي تجمع تلك الأفكار التي أدت إلى قتل الساحرات بما نعيشه ألان من كبت لحقوق المرأة وفتاوى تصدر كل يوم ضدها وقمعاً لحريتها وهنا تجد "سارة" أن المرأة في فترة " مطرقة الساحرات" في القرون الوسطى  لا تختلف في معانتها  عن امرأة اليوم في ظل مجتمع يعتقد أن كل خروج عن المألوف جريمة وتميزت هذه الشخصية بشبهها بالإلهة " حتحور" لأنها الشخصية الوحيدة التي وعلى رغم ضياعها عن نفسها داخلياً كانت توجه جميع أصدقائها إلى طريق البحث عن الذات و وضعهم على أول الطريق وإعطائهم بعض المفاتيح التي يستطيعون من خلالها الولوج إلى ذواتهم .

سحر الموجيالشخصية الثانية وهى " نورا " فتاة تعانى من المشاكل الزوجية وتبدأ مشاكلها حين تعترف لزوجها أنها أقامت العديد من العلاقات قبل الزواج وتفقد إحساسها بالأمن مع رجل فقد الثقة فيها إلى حد إخباره لأسرتها بسرها هذا وتحت هذا الكم من الضغوط تشرد نورا عن الطريق وتسقط  في فخ ما كانت تدافع عن نفسها منه و هنا توضح سحر الموجي إن الخطيئة خطوة ما أن تفعلها يقودك أحياناً تأنيب الضمير إلى الفعل العكسي ويشعرك انك لا تستحق العيش بعد هذه الخطيئة فتجرك  الخطيئة الأولي إلى الخطيئة الثانية إلى ما لا نهاية   وصولاً إلى ما تعتقد انه مكانك الأنسب مستنقع من الأخطاء المتتالية تغرق فيها مثل الرمال المتحركة وكأن الخطيئة الأولى قفزة وان استطعت انجازها ستستمر في القفز من بعدها طوال الطريق ، فتقيم  " نورا" العديد من العلاقات الجنسية بحجة البحث عن الأمان وتدمن تعاطي المخدرات وربما تكون الشخصية الوحيدة في الرواية التي تفشل معها " حتحور" في إيصالها إلى الجانب الأخر الذي يمثل الخير بسلام  .

أما الشخصية الثالثة وهي " دنيا" فتاة فلسطينية تعيش في مصر وتسعى للحصول على الجنسية المصرية من دون أمل تبحث عن ذاتها ممزقة بين إحساسها بواجبها اتجاه فلسطين وما تعانيه من مشاكل اجتماعية  فتنخرط في مجموعة من  المظاهرات  التي  تنتهي بها  في مراكز الشرطة أحياناً ،تعانى "دنيا" كبت شديد وانحباس داخلي لكل مشاعرها وتلعب والدتها شخصية إلام المتسلطة التي تعتبر من أهم أسباب تكون تلك العقدة بداخلها فهي ترسم حدود العالم من خلال تلك إلام وتحدد علاقتها به من خلال علاقتها بها وما أن تدرك أن هناك حياة بأكملها بخارج ذلك القفص الذي صنعته لنفسها تبدأ في اكتشاف ذاتها من جديد فقط كان عليها أن تدرك أن طرق السلامة لا تحمل معرفة ولن تؤدي بها لاكتشاف حتى نفسها و تنسى طرق الندامة لان ليس لها وجود إلا في أذهننا  فقط لنجرب حياة أخري غير تلك التي نعيش معتقدين عدم وجود غيرها بخارجها.

أما الشخصية "حسام" الذكر الوحيد في محيط النون   يعمل  كمحرر بمجلة الكترونية سياسية  متزوج من امرأة لا يحبها ودائم التذكر لحبيبته الأولى "سلمى" حب الجامعة الذي لم ينسيه أيها إلا حبه لـ"ليلي " التي تزوجت بدورها وتخلت عنه ليجد نفسه مع امرأة لا يربطه بها إلا ورقة رسمية تقول إنها زوجته وتبقى " سلمى" الحب الأول تشكل حاجز يمنعه من التقرب من زوجته أو السماح له بعيش حياة طبيعة معها ليكتشف مع الوقت انه لم يمنحها الفرصة لأنه وضع خيالات الماضي بينهما منذ البداية وحجز نفسه مانعاً أيها من الدخول إليه والاستمتاع بما يقدمه القدر له من فرص جديدة فالحياة تستمر ولا تتوقف بعد خسارتنا لحب ما .

تعتبر " نون" سحر الموجي  الحائزة على جائزة كفافيس للنبوغ عام 2007 دعوة للجلوس مع النفس وإعادة التعرف عليها من جديد دعوة لمحادثتها وطرح بعض الأسئلة المصيرية عليها في مواجهة صريحة قد تقلب حياتنا رأساً علي عقب ولكنها ستمنحنا السلام في نهاية المطاف .

نهلة العربي
 

إضافة تعليق


رمز الحماية
تحديث

متابعات ضوئية ..


معرض الفنان رضوان أبوشويشة 2010

قراءات ..

 

السيدة من تل أبيب لـ ربعي المدهون اليسار الاسرائيلي، أزمة الهويات، وثلاث شخصيات لوجع واحد

رواية "السيّدة م...

 

أميركا لـ ربيع جابر.. عندما تدخل الرواية حيّز التجريب،

يستمرُ ربيع جابر...

 

قراءة موازية لرواية عزازيل

الصراع العقائدي ...

لقاءات ..

 

الروائي الافغاني خالد الحسيني .. أفضل مناقشة السياسة عبر رواياتي

ولد خالد الحسينى...

 

الروائي السعودي الشاب محمد حسن علوان .. فى ضيافة " العين الثالثة

دفعني إنبهاري ب...

 

الشمس الثقافي مع المصور أحمد زبيدة

في خطوة هي الأول...
أقسام منتديات العين الثالثة للأدب الساخر

المتصفحين الآن

لدينا 19 ضيوف متصل