طلائع من المثقفين العرب بدأت تتداعى لحوارات وندوات ومؤتمرات ، فيما بينها لتدارس سبل تحصين المجتمع من هذا الغزو الثقافي الصهيوني ، وبالفعل فقد تشكلت لجان وهيئات في العديد من الأقطار العربية حددت هدفاً لها وهو مقاومة الغزو الثقافي الصهيوني أولاً ثم الغربي ثانياً ، وانطلقت تمد الجسور فيما بينها لتشكيل سد ثقافي مقاوم ينقذ الثقافة العربية من الانهيار في وجه هذا الغزو الجديد القديم .
هذا التيار الواسع العريض من المثقفين العرب مازال ساكناً مسترخياً ، باستثناء قلة طليعية تتحرك في كل اتجاه يحدوها هاجس الخطر الزاحف على ثقافتنا ، عاملة على استنهاض شامل لمواجهته .
بالمقابل يشكل التيار الداعي إلى التطبيع الثقافي مع العدو الصهيوني والتفاعل بين ما يسمونه بالثقافة اليهودية ، والثقافية العربية ، قلة يبدو أنها سوف تتناسل وتتكاثر مع تهافت الأنظمة على الاستسلام والتطبيع .
وهذه القلة يبدو أنها متماسكة ومتحفزة ومدعومة ، فهي تتحرك بحذر ، ولكنها تحظى بتوافر وسائل الانتشار لأفكارها ودعوتها مما يكسبها مقدرة على التمدد والتوسع ، وهو ما تحاوله بمنهجية مدروسة تعتمد على الوقت كعامل أساس من جهة ، وحالة الإحباط المتفشية في المجتمعات العربية من جهة أخرى .
هل نجد أن الثقافتين العربية واليهودية بخصائصهما الثابتة قابلتان للتفاعل والانصهار لتكونا مع باقي ثقافات المنطقة التي أطلقوا عليها إسم " الشرق الأوسط " ؟ إن كان ذلك ممكن .
لماذا وعبر آلاف السنين لم يتم هذا التفاعل الإنصهاري حتى اليوم بين هذه الثقافات وتحديداً بين الثقافتين العربية واليهودية ؟
هناك تناقض حاد بين الثقافتين .
أين رأي شبابنا المثقف حول تلك الاتجاهات أو من تعدد تلك الوجهات أو الرؤى ؟
إن حاولنا الإجابة عن هذه الأسئلة فإننا سنصطدم بالواقع الذي يرتسم من بين حين وآخر ، فمن البديهي أن الثقافة الغزية هي تلك الثقافة التي لا تهتم بمسألة الاتصال الثقافي وأهميته في نقل المعرفة الإنسانية بين مجتمع وآخر وإنما تهتم بالدرجة الأولى بعملية غزو ذلك المجتمع الآخر وإخضاعه لمفاهيمها وأطرها مستغلة ما يسميه بعض المفكرين " ظروف القابلية للاستعمار " .
فكما يوضح أستاذنا فوزي البشتي إن الهدف الأول للثقافة الغازية هو إيجاد القابلية لدى المواطن العربي للاستجابة إلى رنين الأزرار الآتية من كل جهة أو مكان توجد فيه الظاهرة الاستعمارية .
ذلك أن مخططاته تقوم على خلق الاستعداد لدي الإنسان العربي للانسلاخ عن جذوره وتقبل وضعه المستلب الجديد بعد مرحلة طويلة من غسيل الدماغ المتواصل وفق برنامج طويل المدى تسهم فيه كل أجهزة الاستعمار السياسية والاقتصادية والثقافية .
والشواهد كثيرة ومتعددة ولعل مشهد سقوط غرناطة آخر معاقل العرب والمسلمين في الأندلس سنة 1492 م حيث قام أميرها عبد الله الصغير مفاتيحها للفرنجة الأسبان ، مفتتحاً بذلك رحلة ذل واستسلام عيَّرته بها أمه قبل أن يُعيره بها التاريخ ، فقالت أمه منشدة :
أبكِ مثل النساء مجداً مُضاعاَ ،،، لم تُحافظ عليه مثل الرجالَ
فلم يكن بإمكان صغير الأندلس أن يُحافظ على غرناطة وقد أصبحت مجرد إقطاعية قزمية ضمن إقطاعيات من عرفهم التاريخ بملوك الطوائف الذين تقاسموا أشلاء جسد الأمة العربية الممزق وراهنوا رهانهم الخاسر على جغرافية جديدة تتجاهل التاريخ وترضخ لمعطيات مرحلة الاندحار والسقوط .
وليس الأمر معنياً به فئة معينة أو قزمية معينة ، وإنما يتعلق بقومية واحدة ، فبالرغم من تجاوز القومية إلى حد بعيد من قبل النزعة المتجاوزة للقوميات ، نجد أنه مع مجئ الأقمار الصناعية مثلاً والمستخدمة في الاتصالات اللاسلكية ومجيء المعلوماتية ، أصبحت العالمية فورية ومباشرة .
جاء منطق التوحيد النمطي للمنتوجات الثقافية ، وإنتاج النواميس والأنماط يستعصي على كل تأصيل أو رسوخ في الأرض .
فلا يمكن للغرب أن يقدم " ثقافة " للتقنية والتصنيع تعيد الجاذبية للعالم وتخلع عليه المعنى .. كما لا يمكنه أن يفي بوعده في ملء العالم بالوفرة والخيرات .. وهذا الفشل المزدوج هو الذي يغذي المقاومة " الثقافية " ضد الغرب .
إن الغرب ثقافة مضادة للثقافة ، وهو بهذا المعنى يأكل نفسه فالثقافات المدعوة صناعية هي بالأحرى ثقافات مصنعة ... فالقيم والعصبيات القديمة تتعايش مع التصنيع وتنعشه ، لكنها ليست نتاجه ... إن ديناميكية المجتمعات الحديثة تعتمد على الهرب إلى الأمام باستمرار ، هذا الهرب الذي يخلق وهم التوازن .
وهي ترسخ كلاً متكاملاً في حالة تحول دائم ....
إن فشل التغريب يعني أيضاً أننا لا نمتلك بديلاً آخر نقدمه لكي يحل محل النمو المادي على صعيد المتخيّل .... فالغرب لا يسحر العالم إلا بواسطة التقنية والرفاهية ... وهذا شيء لا يمكن الاستهانة به ، ولكنه ليس كافياً ، فالحاجة للهوية لا يمكن أن تتغذى فقط من الأشياء الإحصائية أو الكمية الاقتصادية التي تشكل أنظمة المعنى ...
ولذلك تدخل العولمة وتنتج كظاهرة وترتبط بنتائج الصراع الإيديولوجي بين القطبين اللذان كانا يسيطران على العالم ويرسمان ثقافة تحاول أن تسيطر على الثقافات الأخرى ، وقد أنتهي هذا الصراع لصالح القطب الرأسمالي .
فأصبحت فكرة ثقافة العولمة تبدو على أنها البنية الفوقية المرتبطة بالبنيات التحية الاقتصادية والتكنولوجية الكروية وما يرتبط بها من أشكال مؤسساتية .
وهكذا تجري إعادة اكتشاف لثقافات تساهم في تقسيم العالم إلى كتل ثقافية واضحة بدون ميل واضح للتوافق ..
فالوقوف ضد تلك الاتجاهات والآراء والمفاهيم هو الدور الهام الذي يلعبه المثقف العربي والمطلوب منه أن يجد الحلقة الضائعة في سبيل تكوين سلسلة تقنيات اقتصادية وسياسية واجتماعية في مواجهة حالة العنصرية الفكرية التي يمارسها الدور الغربي في شكل اختراق يومي لواقعنا المعاش باسم العولمة التي تحدد مصالحه الاقتصادية وحساباته الإستراتيجية .
| < السابق | التالي > |
|---|




