
يعتبر فن التكوين الزخرفي من أكثر أنماط الفنون التشكيلية تشبّثا بالذاكرة ، وهو ، بامتياز ، فن المكان ، أو فن الهوية ، وتقنيا هو فن المفردة ..
وقد ارتبطت العديد من أشكاله الزخرفية وعناصره الهندسية بالعمارة والمصوغات والنسيج والوشم والحناء والفخار ،والنقود المعدنية ، وهو من بين الفنون التي بدأت تحظى باهتمام أكاديمي في جامعاتنا ، بكليات وأقسام الفنون التشكيلية ،حيث يعود الفضل في ذلك ، لأساتذة أجلاء من أساتذة هذا الفن العريق ، الذين كرسوا خبراتهم وتجاربهم وجلّ وقتهم لأن يأخذ هذا النمط من فن التكوين ، ما يليق به من مكانة مرموقة في حقل الفنون التشكيلية . وهنا تقتضي الأمانة الاعتراف بدور الفنان والأكاديمي .. ( د . أمحمد القاضي ) ، الذي يعد من أهم أساتذة ، أسس التصميم ، في الجامعات والمعاهد الليبية ، التي تعنى بتدريس الفنون التشكيلية، حيث جاء هذا الانشغال على حساب نشاطه الشخصي كفنان ، وأثر تأثيرا مباشرا على مشاركاته الفنية في الآونة الأخيرة، ذلك لأنه بدأ يؤثر الإسهام في تربية ملكات ومواهب جديدة من فتية شغوفين ، ممن تخصصوا في قسم التكوين الزخرفي ، فكان العراب لتخريج العديد من دارسي هذا اللون من طلبة وطالبات معاهد وكليات الفنون ، الذين اختاروا ، وبشغف شديد ملامسة جماليات التكوين الزخرفي و الفنون الشعبية ، ويتذكّر الطلاب الذين درسوا هذا الفن علي يدي القاضي مدى حرصه على صقل ملكات الناشئة ، ومدى افتتانه ببعض الأشكال الزخرفية كالخميسة التي غالبا ما تفرض نفسها على لوحاته ولوحات طلابه ، ولا سيما في مشاريع التخرج . إضافة إلى عديد الأشكال الأخرى ذات الصلة بالبيئة الليبية ، كما أن محاضراته تعد بمثابة سفر في نقوش ذاكرة غدامس والمدينة القديمة وكل المدن والواحات الليبية الزاخرة بهذه المفردات الفنية الخام . فكان دأبه دائما : أن الفن موهبة تبحث عن الصقل ، لهذا تكفّل بصقل الملكات ، آخذا على عاتقه تنمية ذائقة الطلبة ، حتى يمكّنهم من تمييز إيقاعات اللون وتدرجاته . و استيعاب كل تفاصيل مادة التكوين الزخرفي التي تزخر بحشد هائل من الألوان و الخطوط الهندسية و العناصر والمفردات الزخرفية ، مما يتطلب درجة عالية من الدقة والإتقان ، وتقدير مساحات اللوحة . وقد شهدت ساحة هذا الفن تخرج العديد من الطلبة والطالبات بفضل صرامة (القاضي) كأستاذ متخصص ، وحرصه الشديد على نظافة اللوحة ، وعلى ضرورة توفر الدقة المتناهية في تفاصيل مفرداتها وكيفية توزيعها. ولعل الإشادة بدوره كأستاذ أكاديمي ، والاعتراف بفضله في الاعتناء بهذا الحقل ( التكوين والزخرفة ) ، لا يقلل من شأنه كفنان مبدع ، وأن جاء هذا الاهتمام الأكاديمي على حساب ممارسته لفنه ، مما قلل من إنتاجه ، وحظوظ مشاركته في معارض الفنون التشكيلية . ونحن كطلاب ، حين نستعيد دوره الأكاديمي ، إنما نستعيد أوقات التأسيس ، تلك الأوقات التي كانت فيها مخيلتنا كطلبة فنون جميلة تأخذ طابعا أكثر بحثا واكتشافا ، أوقات امتلأت شغفا و انبهارا بما أدهش أبواب المعرفة المحدودة لدينا ، نستعيد فضل أساتذتنا الذين ساهمت تجاربهم وخبراتهم في إثراء هذا اللون من الفن بعيدا عن تلك الكلاسيكية التي يراها البعض ، بل هو مجال واسع يمكن إثراءه وخلق كل ما هو جديد دائما في كل لوحة، وبالأخص في الآونة الأخيرة ، حيث أخذ هذا الفن يحظى باهتمام كبير من قبل السياح ،باعتباره من أعرق فنون الشرق التي تنطوي على تشكّيلات شديدة الخصوصية ،تثير الإدهاش ، كذلك هو فن له القدرة على الانتشار بشكل أوسع لما يحمله في جعبته من عديد الرسائل التي تعبر عن أصالة موروثنا الفني، فبطريقة ما منح هذا الفن الخصوصية التي نفتقدها في عصر تماهت وتداخلت فيه كل الأنماط ، حتى بات من الصعب تحديد هوية اللوحة .. وهكذا يحق له كفن بالغ العتاقة أن يدرج من بين الفنون الجميلة الأكثر تعبيرا عن الهوية .
| < السابق | التالي > |
|---|




