Saturday
Jul 31st
الصفحة الرئيسية مقالات مقالات القضايا الإعلامية وأزمة الطرح

القضايا الإعلامية وأزمة الطرح

البريد الالكتروني طباعة PDF
عاطف الأطرش

عندما نفهم فلسفة الكتابة الصحفية وآلياتها الفنية، سينتابنا إحساس قوى بأننا ننظر لما حولنا بطريقة جديدة لم نعهدها من قبل، ننظر لأدق التفاصيل من زاوية سنعجب أننا لم ننتبه لوجودها في عالمنا الصغير، وحياتنا القصيرة نسبيا، فالكتابة الصحفية بالغة الأهمية في تطوير وعى الإنسان وتنبيهه للأخطار المحدقة المحيطة به، وما يلفت النظر عدة نقاط تتعلق بنظرتنا لحياتنا اليومية بشكل أعمق وأعم من تلك النظرة التي اعتدناها لدرجة الإدمان واللامبالاة، والتي تتلخص في أن ذاكرتنا ليست دقيقة على الإطلاق، وأن هناك تحيزا في الذاكرة يبسّط قبل كل شيء ما نتذكره، أما الثانية فهي أن الأمور البالغة الخطورة تتراجع بسهولة إلى خلفية ذاكرتنا لتحلّ محلها اهتمامات ثانوية عابرة.

كما نرى فإن نظرة الإنسان لما يجرى حوله بطريقة لا تتوافق على الإطلاق مع درجة خطورة الحدث، وهنا نشير إلى أن الإنسان المعاصر يرى فقط الأمور البسيطة اليومية التي قد لا تشكل خطرا عليه في حين يتغاضى عقله عن الأحداث الجسام التي قد تؤثر عليه بشكل مباشر، وهنا نتذكر معا كيف يجذب انتباهنا حدث مثل القبض على موظف كبير مرتشي أو الإيقاع بعصابة متخصصة بالسرقة؛ ومن الممكن أن يتحول حدث مثل هذا إلى قضية رأى عام تشغل بال المجتمع لفترة ليست بالقليلة، في حين أن نهب المال العام وإتلافه قد لا يجذب أنظارنا رغم خطورته إلا لماما في الصحف عبر أخبار أصبحت معتادة لدرجة عدم إثارة أي شعور اتجاهها، وهو ما يقودنا بالضرورة لاهتمام الإعلام بشكل مبالغ فيه بقضية آثار اكاكوس واعتبارها قضية دولة في حين يتغاضى نفس هذا الإعلام عن قضية خصخصة المصالح العامة التابعة للدولة التي قد تشكل خطرا داهما على معظم المواطنين وبشكل مباشر سواء اقتصاديا أو سياسياً أو اجتماعيا، وفى استطلاع للرأي العام - كمواطنين وليس كإعلاميين - أجري مؤخرا حول قضية تأميم قناة الليبية الفضائية، أعرب معظم المشاركين أنهم لا يعلمون عن الموضوع شيئا على الإطلاق!!

وهذا سلوك جديد على الإنسان الذي اعتاد على مواجهة الخطر المباشر منذ سكنه البدائي بالكهوف والحقف في بطون الجبال ووديانها؛ حين كان يفاجأ بالحيوانات المفترسة تحيط به وتهدده وجها لوجه، لقد تغيرت نظرة الإنسان لما يحدث من حوله بشكل لا يتوافق إطلاقا مع درجة الخطورة، وتبرز تلك الظاهرة بشكل واضح في المواطن الليبي مثلاً الذي أصبح لا يرى أبعد من أسفل قدميه، بل وقد يتغاضى عما يراه في الأفق حتى يوهم نفسه بأنه بخير وأن القادم بالتأكيد سيكون أفضل؛ ربما هذا ما يسميه علماء الاجتماع بمرحلة أوهام الكهف. قد يبدو الأمر غير معقول وغريباً، لكن الناس يهملون الأخطار الثابتة المألوفة بالحياة اليومية، بل وحتى التي تهدد بالموت، وهنا يتحول الوعي للعيش برفقة ما يسمى بأوهام السوق.

وهو ما نراه بوضوح في مجتمعنا الليبي حاليا، فإذا حدثت جريمة قتل أو خطف منظمة في فترة معينة ينتفض المجتمع وتتحول القضية للصفحات الأولى بالجرائد وتتكلم عنها وسائل الإعلام المحلية بحماسة منقطعة النظير، أما إذا تناولنا مشكلة مرضى الفشل الكلوي وفيروس الكبد الوبائي نجد أنها أخبار عادية لا تشكل أي اهتمام لدى المواطن الليبي العادي رغم أن ضحاياها "يوميا" أضعاف حوادث القتل مجتمعة التي تنشر في صفحات الجرائد بطول البلاد وعرضها!، كذلك نرى كيف اهتم الرأي العام الليبي بقضية مشروع ليبيا الغد اهتماماً غير عادي، في حين تجاهل تماما مجمل حوادث الاغتصاب والتحرش الجنسي التي تحدث يوميا وبشكل مرضي بحجة معتقدنا السائد بأننا مجتمع محافظ، والأهم أنه تجاهل الأسباب التي أدت لكل تلك الحوادث سواء الأسباب الاجتماعية أو الاقتصادية أو النفسية، ولابد من الإشارة هنا إلى أن ذهنية الإنسان المعاصر لا تسمح بالاهتمام "بالكل" لان الكل لا يُرى ضرره مباشرة "كالجزء"، وهو ما نراه مرة أخرى في حوادث انتحار شباب صغار في العمر – كما طالعتنا بعض التحقيقات - لأنهم لم يستطيعوا توفير فرص عمل لهم، تلك الحادثة التي استحوذت على بعض اهتمام المجتمع الليبي نظرا لمأساويتها وطبيعتها الصادمة، في حين تغاضى نفس المجتمع ووسائل إعلامه عن مئات الآلاف من العاطلين عن العمل فيما يعرف بقضية الملاك الوظيفي والإحالة للقوى العاملة ومن يعيشون على الكفاف؛ ومن ينتحرون نفسيا ويهيمون على وجوههم في شوارع ليبيا بلا مأوى أو مركز نفسي يعالجهم وتزايد نسبة الطلاق بين حديثي الزواج من الشباب، نرى تلك الظواهر وقد تملكت من الإنسان المعاصر في كل العالم وليس في ليبيا فقط، وكمثال يوضح أن تلك سمة من سمات العمران البشرى الحديث وعقلية الإنسان المعاصر الذي لم يتأقلم بعد مع وتيرة الحياة المتسارع وقصف أخبارها والتغييرات والتداعيات المتلاحقة، فيقولون (في كل شهر يُقتل المئات من الليبيين أو يصابون إصابات بالغة بسبب حوادث الطرق)، إن أهمية هذا بالنسبة لنا تفوق بكثير عملية اغتيال قد يقوم بها إرهابي، إنها لا تسجل الكثير في عقولنا التي يسيطر عليها كاريكاتير بعينه، إذ يندر أن يكون لحوادث الطرق من الإثارة مثل ما لسقوط طائرة "لوكربي"، أو إنفجار مكوك الفضاء

"تشالينجر"، أو حتى عبور جسر معلّق متأرجح فوق هوّة.

إنها النظرة الخاصة التي يحددها إدراكنا القاصر، والتي لا حاجة لنا بها الآن في ظل العولمة وغزو الفضائيات لبيوتنا والأخطار التي أنتجتها الحضارة الإنسانية نتيجة لتطورها المتسارع بوتيرة لا نستطيع اللحاق بها. إن الحمل الزائد من المعلومات بالمجتمع الحديث، يعنى أنه من المستحيل حتى على أذكى البشر وأغناهم ثقافة أن يخزّن أكثر من جزء ضئيل من حضارة مجتمعنا، دون خضوعه لحمية ذهنية وإجراء ما بات يسميه علماء النفس بتمرينات إنعاش وتنشيط الذاكرة؛ تلك العبارة تشير أن المجتمعات الإنسانية ربما تكون قد تهيأت للتخلف عن ركب حضارتها التي صنعتها بأياديها وعقولها، فالتعقيد لحضارتنا الكونية، كما رأينا، قد تضاعف بأرقام فلكية خلال المائة سنة الماضية، وخير انعكاس لذلك ما كشفته الأزمة المالية الاقتصادية الراهنة التي تتلقى الحلول والتشخيص لم ينته بعد من رصد المرض وتورماته بالجسد الكوني وسط فوضى من الضباب والتفاصيل التي لم تنته بعد، ونحن بدورنا نتساءل، ماذا عن مجتمعنا الليبي الذي يصنف على انه مجتمع بدائي من العالم الثالث لا يملك رؤية ثقافية ولا اتجاه علمي ولا تعليم راقي ولا رؤيا ومنظومة اقتصادية واضحة وفاعلة تؤسس لتحضره ورقيه؟ ها نحن في بدايات القرن الحادي والعشرين ولازال مجتمعنا يولى جلّ اهتمامه للقشور والسطحيات والغيبيات، ويعتمد بشكل أساسي على الثقافة السمعية أكثر بكثير من الثقافة المقروءة أو المرئية، وهو لا يكتفي بكونه مجتمع غير مثقف فقط، إنما يواصل انهياره بكونه مجتمع رافض للثقافة، ونابذ للعلم، ومزدرى لإعمال العقل، ساخر من أهل القراءة والبحث والدراسة، وحالة مثل مجتمعنا تحتاج من الجهد والوقت والصبر ما يفوق الخيال حتى يستوعب ضرورات انخراطه في مجالات العلم والتقدم التقني وإدراكه لواجباته في صياغة تاريخ البشرية أسوة

بالمجتمعات المتقدمة والناهضة.

ختاماً للقول فإن أهمية فهم فلسفة الكتابة الصحفية تنبع من انه يصلح كوسيلة تقدمية ينطلق منها الصحفي العصري لتغيير رؤيته ونظرته للعالم من حوله، وأهميته تتضاعف مئات المرات للمواطن الليبي الذي لا يعلم حقيقة مقدار التغيرات التي تحدث حوله، حتى التغيرات القوية التي يوليها بعض الاهتمام مثل ارتفاع درجة حرارة فصل الصيف والرطوبة الغير محتملة يعزوها عادة إلى تفسيرات بدائية لا محل لها من الإعراب في زمننا الحالي، مثل القضاء والقدر أو الغضب الرباني أو كونها مجرد هبة ريح ساخنة قادمة من الجزيرة العربية .. و .. و .. الخ، ولا يعرف بالطبع أن تلك التغيرات المناخية ليست إقليمية أو داخلية بالمعنى الشعبي الشائع، إنما هي تغيرات تحدث في جميع أنحاء العالم حاليا ويعكف خبراء الأرصاد وعلماء البيئة على دراستها بشكل مفصل وجاد حتى يتم تفادى نتائجها الكارثية مستقبلا والتي سبق وحذر منها العديد من المتخصصين، وأهمها على سبيل المثال ارتفاع مستوى البحار والمحيطات مما سيؤدى مثلا إلى اختفاء بنغلاديش ولندن وغرق ساحل البحر الأبيض المتوسط بكامله، وهنا تكمن الكارثة، ما يراه المواطن الليبي العادي مجرد ارتفاع طفيف في درجات الحرارة يراه من يملك العقل الجديد المساير للواقع البشري الحديث خطر جسيم نتائجه على المدى الطويل كارثية، بالمناسبة بإمكان أي ليبي الإطلاع على تقارير منظمة المدن العربية ليعرف أننا غير بعيدين عن الكارثة والتي لا أظن أننا تحضرنا لها لا قدر الله فهناك مدن ليبية وشواطئ مهددة بالغرق وفق دراسات علمية منجزة ومنشورة.

فهل ينتبه أهل الصحافة والإعلام ككل لخطورة تيّبس العقل الليبي في حدود موروثه وعالمه القديم؟ نتمنى ذلك.

 

إضافة تعليق


رمز الحماية
تحديث

متابعات ضوئية ..


معرض الفنان رضوان أبوشويشة 2010

قراءات ..

 

السيدة من تل أبيب لـ ربعي المدهون اليسار الاسرائيلي، أزمة الهويات، وثلاث شخصيات لوجع واحد

رواية "السيّدة م...

 

أميركا لـ ربيع جابر.. عندما تدخل الرواية حيّز التجريب،

يستمرُ ربيع جابر...

 

قراءة موازية لرواية عزازيل

الصراع العقائدي ...

لقاءات ..

 

الروائي الافغاني خالد الحسيني .. أفضل مناقشة السياسة عبر رواياتي

ولد خالد الحسينى...

 

الروائي السعودي الشاب محمد حسن علوان .. فى ضيافة " العين الثالثة

دفعني إنبهاري ب...

 

الشمس الثقافي مع المصور أحمد زبيدة

في خطوة هي الأول...
أقسام منتديات العين الثالثة للأدب الساخر

المتصفحين الآن

لدينا 22 ضيوف متصل