Saturday
Jul 31st
الصفحة الرئيسية مقالات مقالات جمالية الفن المعاصر

جمالية الفن المعاصر

البريد الالكتروني طباعة PDF
محمد الزيات

يعتبر ظهور الزمانية بصفتها انكشافاً لجمالية الفن هي المبدأ الفاصل بين الحداثة والقرون الوسطى وإن كانت هذه الجمالية قد نبدت بشكل مافي الرسم الكلاسيكي إلا أن تحطيم بنية التصوير الكلاسيكي «انظر إلى ما هو غائب وكأنه حاضر تماماً للعقل» برمنيدس «يجب على المحيط أن يتقوس ثم ينقطع بطريقة تسمح بتصور امتداده اللامرئى وذلك بافشاء ما كان يعتمه» ناقد من العصر الهلليني للرسام برهاسيوسParrhasios يعتبر ظهور الزمانية بصفتها انكشافاً لجمالية الفن هي المبدأ الفاصل بين الحداثة والقرون الوسطى وإن كانت هذه الجمالية قد نبدت بشكل مافي الرسم الكلاسيكي، إلا أن تحطيم بنية التصوير الكلاسيكي بواسطة التفاعل مع تنوع الفكر الحديث ومعطيات العلوم المعاصرة قد تمكنت من ترتيب فضاء جمالي للزمانية التصويرية. وهي نتائج تبقى مفتوحة بسبب مفهوم الحداثة ذاته، ولكونه مشفوعاً بالزمان الذي هو في حالة تغير دائمة وأبدية، وقد نجد في رسم ما قبل تأكيد حركية الزمانية أي في العصر الكلاسيكي وما قبله بذور طاقة كامنة وقابلة للاشعاع على ذلك المفهوم -الزمانية-، تلك التي أحدثث النقلة وجعلت من الرسم المعاصر حاملا لرؤية مختلفة للعالم، جاعلا للغياب حضوراً ووجوداً مقبوضاً

عليه في الرسم محولا بذلك ما هو فلسفي إلى تقنية فنية، أي انزال المقولة الفلسفية إلى حقل الممارسة الفنية.، وهو ما نجده في قول برمنيدس «انظر إلى ما هو غائب وكأنه حاضر تماماً للعقل». ويعتبر البحث في -الزمانية- مبحثاً مفصلياً إذ إنه عبر منهجية تترصد النقاط الاستدلالية، يمكن أن يتحصل على إقرار الاختلاف عن الأساليب الماضية بانكشاف جمالية للحداثة تتحدد بها إمكانية الحضور الفاعل والمنجز في الهنا- الآن- المنفتح على الآتي. يقول ريفتى أوفيرتي Rauvte Ouverte إن الفن يعمل على علاقة تضاد بين إعادة إظهار الأشياء التي لا يمكن تعريفها- والتي هي موجودة في عالم الابصار وتكون هذه الاعادة بواسطة المرئى الحسوس".. وهي ملاحظة حاولت التقاط بنية العمل الفني القائمة على التضاد وإن كانت هذه الملاحظة الشكلية غير كافية لاضاءة العملية الفنية الكاملة، والتي لا يمكن أن تكتمل إلا بملاحظة التناقض المولد لهذا التضاد البنيوى في الشكل إذ لا ينكشف هذا الاكتمال إلا بالعودة إلى التناقض وكذلك ملاحظة دور الذات الفاعلة تلك التي يكون الانتاج الفني تعبيراً عنها ونتاجاً لها بسبب موقعها بين الإدارك الحسي وعلامة اللاوعي أي وقوعها في موضع سمح لها بأن تكون على دراية بالواقع في شكل مدخلات، والباطن في شكل علامة اللاوعي. أي أن التناقض المولد هنا هو الخارج، الداخل حيث يكون هذا التناقض في حاجة إلى حل، وما يتولد عنه، إنما هو رؤية الغائب ذلك الذي سوف نسميه «اللامرئى» والذي سيكون في علاقة تضاد مع المرئى والمحسوس عندما تتنزل الرؤية إلى حقل الممارسة (الرسم) مسجلة بذلك بزوغاً لزمن هو الزمن الذاتي للفنان ذلك هو الجديد في الرسم الحديث إذ ابتكر الفنان تقنيات حطمت المنظور الزمني في الرسم الكلاسيكي الوفي للبعد الثالث (المنظور) الوهمي بما أنه محاكاة لما تراه العين، والذي عتم على الأزمنة الأخرى ومنعها في الوجود- الحضور- هذا التعتيم، هو ما أقلق الفنان الحديث حيث تكونت الذاتية مع معارف وعلوم الحداثة فكان الرسم الحديث هو استجابة لمطلبية حضور الذات، تلك التي تكونت في موضع بين التناقض، خارج/داخل، أي أن تكونها الداخلي لم يكن في معزل عن الخارج وإنما في جدلهما معاً وهنا يمكن الاختلاف في مفهوم الذات التي كانت سابقاً توضع في مقابل الموضوع دون إدراك أو معرفة. بطريقة وموضع تكوّنها. وهو فصل كان متمشياً مع معارف وعلوم ماقبل الحداثة. وعندما يضرب أوفرتى الأمثال للتدليل على وجهة نظره يكون محكوماً في تحليله بإجراءات منهجية وفية للبنيوية، فلا يستطيع مغادرة الأثر إلى مصدره، والتي هي خطوة ضرورية عندما يكون المبحث عاملاً على تمفصلات تمييز الحركية الزمانية - وهذا ما أصاب بعض أحكامه بداء الجزم (اليقينية) ففي تحليله لسلسلة لوحات الرسام سيزان المتعلقة بموضوع «جبل القديسة فكتوار» يورد رأى سيزان، في محاورة معه، حين قال إن المرئي الذي يعيده الرسم هو أثر انغماس إبصارنا في الأشياء التي يجسدها، يكون أوفرتي قد لوى هذا الفهم باتجاه رؤيته معقباً: «ويكون هذا الإبصار في كل مرة وحيداً وخاصاً. حضور جبل ينبثق مثل حالة نفسية في لحظة ظهور والتقاء، فتوحد بذلك الباطن مع الخارج فتكون مختلف حالات ظهور «القديسة فكتوار» وجهات نظر تبرز في الوقت ذاته جوهر الشيء و«الإنسان الغائب والموجود تماماً في المنظر» فلسفة الحداثة. (التريكى ص 117) وما قصدنا به ليّ الفهم باتجاه رؤيته هو تجاور عبارة «وجهات نظر» المحشورة تماماً بطريقة تدعونا إلى رميه بعدم الفهم. حيث لايمكن الجزم بأن التكرار الذي يمارسه الفنان على موضوع /شيء واحد بأنه «وجهات نظر» في إشارة هنا إلى تلازمها مع تعدد الرسامين، لأن الفنان قد لايكون قاصد بالتكرار للمنظر الواحد وجهات نظر متعددة كما يقول فورتي، وإنما على الأغلب هي محاولات لاشباع الرؤية التي عادة ماتكون مستعصية على التقديم. والفرق هنا بين مقولة «وجهات نظر» ومقولة «إشباع الرؤية» هو أن الأخيرة تتفق مع قوله: «حضور جبل ينبثق مثل حالة نفسية في لحظة ظهور والتقاء. فتوحد بذلك الباطن مع الخارج» هنا نلمح التكرار الذي يحاول أن يصل إلى توحيد الباطن مع الخارج وليست وجهات النظر المتعددة، فالفنان لايحاول أن يرسم عدة لوحات لشيء واحد تكون عبارة عن وجهات نظر حاملة لتوحيد الباطن مع الخارج، وإنما هي الممارسة التي تسعى لهذا التوحيد الذي تتحقق فيه رؤية الفنان. فالعلاقة هنا هي بين إنغماس الإبصار في الأشياء وما تجسده الأثر، وما التكرار سوى محاولة لأشباع الرؤية المستعصية على التقديم، والتي تكون مرشدة له من لوحة إلى أخرى على نفس الشيء. وبحثاً عن الزمانية في أعمال «فان جوخ» فإنه يلاحظ الفضاء المتحرك الذي يستدعى حضور ذكرى صائفة في الريف في حقل قمح يتموج مع النسيم. والذي يمكنه من زمانية إظهار الأحاسيس في تخوم الأريج والضوضاء. ولكن تجربة ميرو Miro هي الأجدر هنا لاتصالها من ناحية التحولات عبوراً عن التعبيرية إلى التجريد. فالشخصيات النحيفة التى تعبر خطوطاً ومدارات وعناصر جوية وطليقة تسبح بتعرج في فضاء مفتوح للأحلام ولحالات التبدي مثل لوحة «شخصيات في الليل» حيث يلاحظ حركية الزمانية في تداخل الشخصيات المتخللة هذه الفضاءات غير المحددة الديمومة، والهروب إلى أزمنة باطنية، حيث توقظها غرابة الأشكال وعدم تمام الخطوط التى تدعو إلى السفر، ويقول: «ونلاحظ في هذا المستوى أن انطباع الحركة يقوي الإحساس بالزمن كلعبة حضور وغياب وتنتزع الحركة في الوقت نفسه الشيء للادراك الحسي وتوحي بحضور الجوهري وذلك بعفوية تجعله جليا». وهي قراءة متمرسة دون شك مستفيدة من الخطاب الفلسفي الحديث ولكن الملفت للنظر أنه في موضع آخر يعتبر هذه الممارسة عند ميرو هي الهروب من نقطة الاستدلال ويعتبرها نقطة تقاطع «يغادرها الرسم المعاصر» وهو تعبير يستوقفني بعض الشيء فهي ملاحظة غير صائبة، فعملية الاختذال التي يمارسها ميرو على الشخوص تبحث عن نقطة استدلال جذرية تكون بمثابة الدال الرابط بين عالمه الداخلي والتشخيصي أي الشفرة التي تحافظ على الاحالة إلى الشيء، فالفنان في حذفه المستمر للعناصر التشخيصية واستبدالها بالخطوط، فإنه يبحث عن الجوهري الذي يجب الاحتفاظ به بعد تلك التصفية، والذي يعينه على حمل إحساسه بالزمانية الخاصة سواء كانت حلمية أو استيهامية أو خيالية إلخ. فهو يتخلص من الخطوط التى تغلق الشكل المشخص، في محاولة لتمرير الخطوط التى تتمكن من الاستجابة لإحساسه بالحركة وبالزمانية مكتفياً بدال جذري يصلح كنقطة إستدلال وليست هي بالتأكيد «نقطة تقاطع» تلك التي لو إعتمدناها كما يقول فورتي لكانت المغادرة هي مغادرة البراكسس ذاته. إن اللوحات المتتابعة للفنان تشكل سياقاً تاريخياً لإنتاجه. متصل في تدرجه يمكن أن يساعد كثيراً في تفسير النقلة التي تحدثها سلسلة من اللوحات مثل ماسبق أن رأينا في لوحات سيزان «جبل القديسة فكتوار» وكذلك لوحات ميرو التي تدرجت من التشخيص إلى التجريد. وبذلك لانستطيع أن نتعامل نقدياً مع لوحة واحدة من السلسلة على إعتبارها عملاً مكتملاً ومكتفياً بذاته ولكن يجب النظر إليها على إعتبارها إحدى محاولات تحقيق إشباع الرؤية ويصبح من الخطأ المنهجي الوقوف عند إحداها معتبرين ماتقدمه مبدأً أو مبادىء يمكن إستخلاصها منهجياً لتتحول المحاولة إلى معيار بالتأكيد سيكون البحث النقدي هنا قد تورط في مشكلة تتسم بالقصور المنهجى. لذلك يجب أخذ مفهوم «البراكسس» بعين الاعتبار على أنه ممارسة في حقل التناقض، وأن ممارسة الفنان مشغولة بهذا التناقض، والذي نجده في العلاقة البنيوية للشكل القائم على التضاد كمستوى مقروء للأثر. أي أننا نكون عند إدراك هذا التضاد متكئين على الدال - الأثر - وهو إتكاء يجب أن يتم تطويره في إتجاه ادراك العملية الفنية في تمامها وقد كشف النقد مابعد البنيوي عن قصور البنيوية في إنتاج المعنى والذي هو هنا الطريق إلى رؤية العمل في حالة حركة عناصره وليس سكونيتها، مما يجعلنا نطرح السؤال المهم عن عامل التحريك الكامن وراء العناصر اللونية والتجريدية، عن عناصر الحذف، وصولاً إلى نقطة الاستدلال الشفرية الرابطة بين إعادة إظهار المرئي والمحسوس باللامرئي. وعدم الوقوف أمام التضاد البنيوى طويلاً أو الاكتفاء به للوصول إلى مايستعاد رسمه في الفن المعاصر والذي تم إستعارته ليحل كدال رمزي قادر على حمل الأحاسيس الناتجة عن إنغماس الإبصار في الشيء - الواقع - الوهمي - الخارجي للفنان والذي يحال إلى دال رمزي في عملية الداخل - الخارج المندمج في الأثر والمحتفظ في نفس الوقت بعدم التطابق. من هنا لجوء الفنان إلى تحطيم الشكل، ومحدداته حتى يفرغه من دلالاته الخارجية ويبقى على نقطة إستدلال يجبرها على الخضوع لإنسيال أحاسيسه الذاتية وزمانية إستيهاماته وتخيلاته وأحلامه. إنها الزمانية التي شغلت الرسم المعاصر الذي وجه الضربات بقوة إلى الزمن التسلسلي والزمن الثلاثي الأبعاد فعمد إلى تحطيم دعائمه الحاجبة للأزمان المتعددة الباطنية تلك القادرة على إحضار الذات وزمانيتها - وجودها - الذي كان غائباً في الرسم ماقبل الحداثي. والذات هنا هي المكوَّن الناتجة عن جدل الخارج/الداخل والتي تتغذى على ماتم إنجازه بينما يظل غير المتحقق مرشحاً حسب أولوية الرغبة بمفهومها (اللاكاني) وهي مايشكل الزمانية الباطنية المتعددة من إستيهام تقف وراءه الرغبة إلى التخييل إلى عالم الحلم - كما أننا يجب أن نرى هذه الزمانية الخاصة في علاقتها بالخارج الذي به دوال إشباعها الواقعية، إنها فضاء الفن بامتياز. لذلك نرى في الرسم المعاصر تلك الخطوط التى تبرز في أتجاهات متنوعة خارج كل المقاييس، والتي تكوِّن في تكاثرها الخط المنتج. فنجد الخطوط ذات الاتجاهات المتعددة الفضاء مدارات تجذب النظر إلى متاهة يصعب انفلات النظر منها، حيث يتتبع المسالك «التي أعدت لها في الأثر». وأخيراً مثل مانرى عند الفنان المستقبلي إمبرتو بوشيوني: حيث يتصور التخطيط فعلاً وسرعة ووثبة نحو المستقبل وهو تخطيط غالباً مايوحي بإيقاع مسار شكل ما متحركا، وذلك بفعل الاهتزازات التي تحدثها حزمات من الخطوط. أليست كل هذه التفريعات منبثقة من بذرة تحمل طاقة عابرة للأزمان عند رسام هيللينى قديم أكدها الرسم المعاصر فأحدث بها قطيعة أبستيمولوجية مع الرسم ماقبل الحديث. مراجع 1- التاريخ والتحليل النفسي بين العلم والخيال ميشيل دى سرتو، غاليمار 1987. 2- العين والفكر، موريس مارلوبونتي، غاليمار 1964. 3- محاوره مع سيزان، باريس، ماكولا 1998 وردت إشارة إليها في فلسفة الحداثة، د. فتحي التريكي. د. رشيدة التريكي. 4- الحداثة.. مابعد الحداثة. مطاع الصفدي، مجلة الفكر العربي المعاصر عدد 54 - 55 بيروت. 5- المقال محاورة مع ماورد في فلسفة الحداثة، فتحي التريكي د. رشيدة التريكى، مركز الانماء القومي بيروت 1992 مع ملاحظة أن اسم المؤلف غير مثبت بجوار اسم المترجم في الفصل السابع الذي تحاورنا معه حيث ثبت، ترجمة: محمد الخماس، مراجعة رشيدة التريكى فقط.

المفاهيمي والإجرائي :

اتسمت البدايات الفنية عند الفنان مرعي التليسي بالواقعية كان ذلك في نهاية السبعينيات ومع بداية الثمانينات اتجه نحو السريالية التي لم يستمر معها طويلاً اتسمت البدايات الفنية عند الفنان مرعي التليسي بالواقعية.. كان ذلك في نهاية السبعينيات، ومع بداية الثمانينات اتجه نحو السريالية التي لم يستمر معها طويلاً، وإن كانت قد شكلت حلقة انتقالية بين الواقعية وما يمكن أن نطلق عليه «المفاهيمية الإجرائية» وإذا تأملنا أعماله السريالية، فلا يمكن أن نراها سوى محاولة للبحث عن أسلوب فني يمكن أن يتسع للتعبير عن الخبرة الذاتية المعتملة في ذات الفنان، ولكونها خبرة ذاتية حياتية فإن أسلوب السريالية الذي هو تعبير عن عدم التحقق والمكبوت يكون غير مناسبا بل متناقضاً مع موضوعات الخبرة الحياتية الذاتية والموضوعية. هذا التناقض لا يلغي الإفادة الفنية والتقنية في مسيرة الفنان، فتجربته السريالية على الأرجح هي التي أوحت له بالانتقال إلى المفاهيمي والإجرائي مستفيداً على وجه الخصوص من عنصر التركيب الذي ظهر مبكراً في لوحاته السريالية. إلا أننا هنا نود أن نشير إلى أن هذا الإجراء المنهجي يقابله ضرورة اتصالية ظاهرة، بساطة هذا الظهور، يجعل الملاحظة تنصب على عملية التوفيق بين الإمساك بالإلهام الدقيق المفهوم من ناحية والضرورة الاتصالية من ناحية أخرى، وفي تقديري أن هذه العملية الفنية قد أنتجت حوارية داخلية هي تماما فحوى وسر الفن في لوحات التليسي. وهي وإن كانت ناتج عملية داخلية إلا أنها شكلت عنصراً تواصلياً مع المتلقي لعب على تضعيف العنصر الحواري عبر قراءة المتلقي للوحة المحولة إباها بذلك بواسطة مجموعة العناصر المميزة في التكوين إلى حالة نصية.. بحيث يمكننا أن نقول إن منهجا مفاهيميا وإجرائيا يسم تلك اللوحات.. فمن لوحته «احتضار» (1992) التي في تقديرنا افتتحت هذا المنهج الذي استمر فيه حتى الآن، نستطيع أن نميز مجموعة من العناصر المتواترة ذات الدلالة الرمزية التي عملت على تجاوز الفنان للحالة الوصفية إلى الحالة الإيحائية , ونستطيع أن نقول بأن هذا التطور عند مرعي التليسي كان عبوراً من آنية الرؤية التي تتمسك برؤية الشيء كما تراه العين إلى رؤية تركيبية لعناصر متعارضة تركز على بنية الموضوع، وألوان عناصره التي تساهم في بنية التعارض. إن مرعي التليسي عندما يضع لوحته على الحامل يظل في حالة صراع مع اللون ليجبره على أن يحمل سماته من ناحية، ومن ناحية أخرى تحميل السمة اللونية إيحاء تعارضيا في الرسم وإن كان لا يسمح بظهور الشيء مفككا، فإن الإيحاء اللوني هو المعول عليه كما في لوحته «طائر الحلم» التي استخدم فيها تقنية الفرشة الهوائية. فنجد السماء كفضاء يحدد عمقها كثافة الأزرق وقوس قزح الذي أخذ شكل زوايا مستطيلٍ غير مكتمل كأنها شبكة ألوان عاطفية تحاول اصطياد الطائر. إن الألوان هنا في هذه اللوحة قامت بوظيفة الإيحاء، وأخرجت عناصر التكوين من كونها أشياء واقعية، فالسماء بزرقتها الكثيفة تكشف عن العمق اللانهائي لتشكل بذلك تضافراً مع البعد الرمزي المعطي عن طائر السنونو وهو شهوة السفر، فيكون التضافر هنا بين عنصري العمق اللانهائي وشهوة السفر، فإذا دققنا النظر في ألوان طائر السنونو الرصاصية المحيلة إلى لون المعدن وتحديدات خطوط الطائر المحيلة التي شكل طائر صناعي، فإن كلا العنصرين يشكلان معا إمكانية الإحالة إلى آلة للطيران.. تلك الآلة الطائرة بدورها سوف تحيلنا إلى الإنسان الذي يستخدمها كوسيلة سفر عبر الآفاق.. تلك الآفاق التي جعل منها الأزرق الكثيف عمقا لا نهائي للسفر، هذه اللانهائية يعترضها هنا قوس قزح الذي خرج بدوره عن واقعيته. آخذا شكل زوايا مستطيل ممحوة نهايته السفلي، فبدا كخطاف منصوب، أو كمسطح محايثة متعين على مسطح من (الكاوس) في محاولة لانتشال الطائر من حالة العدم المضمرة في شهوة السفر الدائم. راسما بذلك كل ألوان العاطفة المحلقة كمتكأ لأغراء الطائر وغوايته. من هنا نستطيع أن نقرأ لوحات الفنان مرعي التليسي خاصة تلك التي تحمل تاريخ أعوام منتصف تسعينيات القرن العشرين ملاحظين فيها مجموعة من العناصر المميزة لمنهج مفاهيمي إجرائي يتسم بنزعة تركيبية ظاهرة كما في لوحة «ترنيمة» و«سماء افتراضية» و«الأمل» و«إطلالة» وجميعها تحمل تاريخ 1995 زيت على قماش. وقد أكدت أعماله التي أنتجت في العقد الأول من القرن الحالي على هذه العناصر التكوينية مثل لوحته «باب على الصحراء» و«نافذة» حيث نرى في الأولى بابا زجاجيا يغلق مسطح اللوحة، وضع عليه جنزير وقفل من طراز قديم، تظهر الصحراء الجافة من خلفه بينما على شمال اللوحة من الأسفل نرى قلادة ملقاة بطريقة توحي بأنها سقطت من صاحبتها التي مرت من هناك مثيرة عدة تساؤلات تنضم إلى التساؤلات الاستفزازية التي يثيرها بابا زجاجيا مغلق على الصحراء.. لتشكل معا حزمة من الأسئلة التي تتحدى المتلقي، ملقية في وجهه بالسخرية مما يسميه الحقيقة.. حقيقة ما تراه عيناه ويسميه الواقع، وفي الوقت الذي يضج فيه صمت اللوحة مسجلا حالة الغياب والسكون، يكون التعارض بارزاً، والرمزية فيه شفافة، وبسيطة بساطة تناظر الرؤية الاعتيادية للمتلقي المتيقن مما تراه عيناه ببساطة التناظر هذه تشكل حالة انقلابية تهز موقع نظر المتلقي وتصيب ذهنيته اليقينية بالشك، مدخلة إليه مبدأ عدم اليقين المحيل إلى قبول احتمالات تعدد المعنى.والذي نستطيع أن نقدم فيه إحدى نماذج هذا التعدد، باب موصود. باب شفاف للعلم بالشيء. لا يسمح سوى بعبور النظر إلى مدى غير محدود. حيث أقفال المنع تحرم الجسد من العبور . فالمقموع يتشكل هنا مع إمكانية الرؤية الشفافة. جاعلاً رؤية المكشوف تحت الضوء للمدى المقموع أشبه بالحلم. بينما اندياح اللون على فضاء اللوحة لا يترك للبياض أن يمارس لعبة المتن والهامش. فاللوحة هي كل المتن والرائي الذي هو نحن هو الهامش وغير المرئي، ومع هذه الحالة تختفي الأنا ضيقة الأفق التي تحتاج إلى البياض المؤطر والمحصن والمحدد لحدودها في مواجهة الآخر ذلك المنفي خارج الصورة في البياض.. في باب على الصحراء يستبدل الفنان، تلك الذات ضيقة الأفق بالموضوع في رؤية تستغرقها وتحيلها إلى علاقة بالموضوع هذا الذي لملم الفنان مفرداته من هذا المستحيل – الواقع – الباب، السلاسل بالإقفال. الفراغ الموحش (خلف) الزجاج. مفردات من واقع مستعصي على الإمساك. والصحراء الفاصلة وغياب الإنسان وتهميشه خارج الصورة - رائي – تجذب نظره تلك القلادة الملقاة كأثر لحكاية غامضة ربما وقعت أحداثها قبل أن توصد الأبواب. وتعتبر لوحة «حنين» (1992) التي استخدام فيها مواد مختلفة على قماش محاولة لأن تحمل الألوان إحساسا عاطفيا، ربما قادته عبر السيطرة على اللون وعناصر التكوين إلى التطوير الحركي / الإجرائي للعناصر والذي رأيناه بعد ذلك في التوظيف المنهجي في أعمال منتصف التسعينيات.. ويمكننا رؤية امتداد هذا التوظيف في أعمال العقد الأول من القرن الحالي مثل لوحة «باب على الصحراء» الذي تناولناها سالفا ولوحة «نافذة» التي يتحول فيها عنصر النافذة في لوحة «حنين» من التعبير عن إحساس ذاتي إلى عنصر موضوعي في تركيب مفاهيمي. إن تجربة التليسي في منتصف التسعينيات التي شهدت ليس فقط النضج والجاهزية وإنما أيضا غزارة الإنتاج وكأن بوابة قد انفتحت على أفق طال انتظاره. غزارة حاملة معها ومؤكدة على منهج تركيبي إجرائي يعمل على منطقة في العملية الإبداعية تحاول التوفيق بين ما هو ذاتي / داخلي وما هو موضوعي/ خارجي . وهي سمة تتقاطع مع الإيهام بتقديم تجربة بصرية مباشرة لا هم لها أبعد من تسجيل المظاهر، وإن كانت تجربة التسعينيات لمرعي التليسي تنتمي إلى الفن الحديث إلا أنها ظلت وفيه للعرف الأكاديمي الذي يرى ضمن ما يري أن تكون الصورة غير حاملة لأي أثر للتفكك شأنها شأن المشهد المرئي.. فقد حافظ التليسي على هذا الشرط معوضاً عن التفكيك بالتركيب الذي عندما اهتدى إليه تمكن من تخطي العرف الأكاديمي الذي كان واقعا تحت تأثيره حتى منتصف التسعينيات والذي بدأ مع الرغبة في تسجيل ما تراه العين على نحو ما تسجيلا مطابقاً ومحافظاً على التلاحم في النسيج، وهو ما تم بطريقتين إما بالتقليد الدقيق لمشهد واقعي، أو بتكوين صورة حسب تلك القوانين البصرية التي تحكم بالضرورة بصرنا الأول.. أي المذهب التجريبي الذي استخدامه الفنانون الفلمنكيون في شمال أوروبا.. وإما بالطريقة الثانية وهي التي عرفت بالمنهج العلمي والتي اتبعت في إيطاليا خاصة على يد الفلرونسيين الذين كانوا أول من اكتشف القوانين البصرية للمنظور. وظلت هذه الشروط ماثلة أمام الفنان مرعي التليسي، ويبدو أنها كانت تشكل عائقا في البداية أمام تحوله من التعبير الأكاديمي إلى تعبير الفن الحديث. وربما كان اعتماد الفنان على عنصر التركيب مع الحفاظ على الشروط الأكاديمية هو ما أربك بعض النقاد في تصنيف أعماله، حيث لم يدركوا أهمية هذا العنصر الذي أخرج أعمال التليسي من العرف الأكاديمي إلى منهج مفاهيمي إجرائي.

 

إضافة تعليق


رمز الحماية
تحديث

متابعات ضوئية ..


معرض الفنان رضوان أبوشويشة 2010

قراءات ..

 

السيدة من تل أبيب لـ ربعي المدهون اليسار الاسرائيلي، أزمة الهويات، وثلاث شخصيات لوجع واحد

رواية "السيّدة م...

 

أميركا لـ ربيع جابر.. عندما تدخل الرواية حيّز التجريب،

يستمرُ ربيع جابر...

 

قراءة موازية لرواية عزازيل

الصراع العقائدي ...

لقاءات ..

 

الروائي الافغاني خالد الحسيني .. أفضل مناقشة السياسة عبر رواياتي

ولد خالد الحسينى...

 

الروائي السعودي الشاب محمد حسن علوان .. فى ضيافة " العين الثالثة

دفعني إنبهاري ب...

 

الشمس الثقافي مع المصور أحمد زبيدة

في خطوة هي الأول...
أقسام منتديات العين الثالثة للأدب الساخر

المتصفحين الآن

لدينا 18 ضيوف متصل