لطالما كرهت كلمة " صحيفة " لانها تذكرني دائماً بحقيقة هذه الكلمة ولفظها الصحيح وهو " الصفيحة " التى نرمى فيها مخلفاتنا ونتخلص منها على اقرب شارع ، فالمكبات اكثر من اعمدة الانارة الان فى الشوارع ، فلا يحتاج اختلاقها للكثير فقط تراكم من " الصفائح " المتشابهة فى القذارة لنلوث بها اكبر قدر من البيئة التى نعيش فيها نحن صانعى الصفائح واصحاب المخلفات .
ولا يتوقف صاحب الصفيحة ذو البدلة الانيقة التى توحى انه من رجال البيئة عن طلبك فى تقديم المزيد والمزيد من المواد التى تثرى صحيفتنا اليومية الشاملة حتى نصل الى مستوى الصفائح الاخري .. هنا تستفزنى كلمة " مادة " التى نطلقها على جميع اجناس الكتابة الصحفية ، تذكرنى اننا نقدم مجموعة من اشلاء الافكار كثيرة الاخطاء غائبة المعانى، مادة غريبة المعالم لا يمكن ان نطلق عليها اسم او نصنع لها تصنيف فنضعها على مجهر " دسك التحرير " ليلقوا نظرة لعلهم يستطعون اجراء عملية اعادة هيكلة لهذا الكيان المسمي " مادة " ولابد لهذه العملية أن تتضمن قص الحروف النافرة نتف التلميحات محو ما بين السطور وضع القليل من المساحيق بالسحق وتفتيت واذابة الحقائق فلا يتبينها قارئ ولا ضرر من تغير حتي العناوين او فبركة " منــشيت" وهذه كلمة اخرى تستفزنى فكلما سمعتها يضل صدى حروفها الثلاثة الاخيرة يتردد فى الفراغ الذي تتحول له " المادة " بعد خروجها من قسم التزين " دسك التحرير " .
التحرير ..التحرير ..التحرير ، كلمة تتكرر " على الطالع والنازل " فى مكبات الصفائح ،رئيس التحرير ..مدير التحرير ..سكرتير التحرير ..دسك التحرير ..والتكرار يعلم " الحمار " ، حتى تلتصق الكلمة بعقلك وتصل لدرجة التصديق فتحرير الكتاب اى تقويمه وانت ايها المحرر لا تحرر كتاب بل تحرر مفاهيم وحقائق لتحرر بدورها مجتمع غافل ولا بأس ايها المحرر ان قدمت بعض التضحيات فى طريق التحرير فهذا مصير الاحرار قبلك وبعدك فلا تعترض ، لا بأس ان كان تقويم الصفيحة كتقويم الاسنان لا يعمل الا بالضغط لسد الفراغات فتلتصق حروفك ببعضها فلا يفهمها احد ، لا بأس ان منعت من النشر فالحبال كثيرة يا رجل و " الشددات " رخيصة و وحدها شمس الظهيرة ستجفف قطرات هوسك بقول الحقيقة ، لا بأس لا بأس لا بأس كررها من بعدى يا حمار .
وتبهرنى الجملة الذكية " جميع الاراء الموجودة فى الصفيحة لا تعبر عنها ولكن عن كتابها فقط " تذكرنى بأفلام الجرائم الامريكية التى يستطيع فيها المحقق إجاد دليل الادانة فى " صفيحة نفايات القاتل " ، لطالما اعتقدت أن أفضل طريقة لمعرفة الكثير من المعلومات عن شخص ما من دون التفوه بكلمة معه هو القاء نظره خاطفة على نفاياته فوحدها النفايات قادرة على فضحنا بهذه الدرجة من السهولة والساذجة ، نعم عبرت عن كتابها لدرجة الفضح ولكنها عبرت عن الصفيحة ايضاً وان تبراءت من قذارتها فلو لم تكن ترضى بهذه الاراء وتجدها مناسبة لسياستها لما سمحت بالقاءها فيها .
ويتبع ..
| < السابق | التالي > |
|---|




